المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سياحة ما وراء الطبيعة.. حلقة مفقودة بين العلم والخرافة


باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-27-2015, 08:41 PM
سياحة ما وراء الطبيعة.. حلقة مفقودة بين العلم والخرافة

تبحث عن «براءة الرعب» في عالم مخيف
http://up.bdr1.net/uploads/1448649698791.jpg (http://up.bdr1.net/)

هناك إقبال على سياحة الرعب والمغامرات
القاهرة: مروى صبري
لا يكف عالمنا المعاصر عن إثبات أنه عالم مجنون بالفعل، فكل يوم يتفنن في المخاطرة بالحياة، ويبحث لها عن مسميات ومبررات جديدة، ويتأملها كطلسم ولغز لا ينتهي، وعلى الرغم من أن الإنسان فكك الكثير من طلاسم وألغاز عالمه، فإن شغفه بكل ما يتجاوز حدود عقله لم يتوقف. وخاصة سباقه مع الموت، لغز الحياة الأكبر، ومحاولة معرفة ما ينطوي وراءه من أسرار. الأمر الذي دفع بالعالم الأميركي الشهير توماس أديسون (1847 - 1931) المعروف بولعه بفكرة ما بعد الموت، أن كشف النقاب في تصريحات صحافية عام 1920 عن أنه يعكف على اختراع هاتف يمكنه الاتصال بأرواح الموتى، إلا أن التجربة التي أجراها داخل معمله بحضور عدد من المقربين منه لم تثمر شيئا.
ولأن شغف الإنسان بالمجهول لا يكافئه سوى شغفه بالمال وربما النساء، ظهرت محاولات لاستغلال هذا الفضول الإنساني على نحو تجاري، وتحت مسميات سياحية جاذبة، جسدها بقوة التطور الهائل في أنماط بيوت الرعب بدور الملاهي، وأفلام وقصص الرعب التي تلقى رواجا كبيرا على الرغم مما تحمله من تحذيرات لأصحاب القلوب الضعيفة.

وشهدت السنوات الأخيرة رواجا كبيرا لنمط جديد من السياحة أطلق عليه «سياحة ما وراء الطبيعة» وتعنى بالأماكن التي تتردد أقاويل حول وقوع ظواهر خارقة للطبيعة بها، مثل ظهور ما يسمى بالأشباح، وتأسست في أوروبا والولايات المتحدة شركات سياحة متخصصة في هذا النمط، تنظم رحلات إلى منازل أو مناطق كثرت الأقاويل حول وقوع ظواهر خارقة للطبيعة بها، خاصة ظهور أشباح، حتى إنه لا تكاد تخلو مدينة بالغرب من منطقة من هذا النوع، وقد عزا البعض الرواج الشديد في سياحة ما وراء الطبيعة مؤخرا إلى انتشار أفلام وقصص الرعب، بينما اعتبرها آخرون دليلا على تنامي اهتمام الغربيين بالروحانيات والغيبيات، على عكس ما عرف عنهم من تفكير مادي.

المثير أنه حتى البيت الأبيض لم ينج من إطلاق روايات حول ظهور أشباح لرؤساء سابقين به، أشهرهم وأكثرهم ظهورا على الإطلاق كان شبح أبراهام لينكولن (1809 - 1865) الذي نال لقب «شبح البيت الأبيض». وأهم ما يميز قصص مشاهدة شبح لنكولن أن بعضها جاء على لسان شخصيات سياسية رفيعة، بعضها أجنبي كان في زيارة للولايات المتحدة ونزل بالبيت الأبيض، مثل وينستون تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا، الذي ادعى رؤيته شبح الرئيس الأميركي السابق خلال ليلة قضاها بالبيت الأبيض أثناء الحرب العالمية الثانية، والملكة فيلهلمينا، ملكة هولندا (1880 - 1962)، التي ذكرت أنه خلال ليلة قضتها بالبيت الأبيض، صحت على صوت طرقات على باب غرفتها، وعندما فتحت الباب رأت شبح لنكولن في الممر، لتسقط فاقدة الوعي.

في الولايات المتحدة، تنظم شركات رحلات لمناطق مسكونة، وتعرض المبيت في منازل اشتهرت بظهور أشباح فيها، وتعلن عن جولاتها عبر مواقعها على شبكة الإنترنت، وتتراوح الأسعار بين 15 و300 دولار للفرد.

واليوم، توجد في إنجلترا وآيرلندا مئات الشركات والمنظمات تعرض مجموعة متنوعة من الجولات والإجازات المرتبطة بالظواهر الخارقة للطبيعة، ويوجد داخل المملكة المتحدة ما يطلق عليه «مرشد الفنادق المسكونة» (هونتد هوتيل غايد)، يضم أكثر من 450 فندقا وقلعة مسكونة، ويوفر للمغامرين إمكانية قضاء عطلة نهاية الأسبوع بالكثير منها.

وفي خضم الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي عصفت بالعالم، عمدت كثير من الشركات بالولايات الأميركية والمدن الأوروبية إلى تشجيع السياحة للمناطق التي تدور شائعات حول حدوث ظواهر خارقة بها أو ظهور أشباح فيها، في محاولة لتعزيز عائداتها المالية.

وبطبيعة الحال، لا تخلو مصر من الأماكن التي تكثر حولها شائعات بظهور أشباح فيها، ربما أبرزها قصر البارون إمبان بالقاهرة الذي شيده الثري البلجيكي إدوارد إمبان عام 1920، ويعد تحفة معمارية رائعة. لكن شهرته الواسعة لم تقتصر على روعة بنائه فحسب، وتاريخه المأساوي، وإنما امتدت لما نسج حوله من أقاويل حول حدوث ظواهر غريبة به، منها صدور أصوات مجهولة المصدر وظهور أشباح به، أبرزها شبح شقيقة البارون، البارونة هيلانة، التي يقال إنها سقطت من شرفة غرفتها وماتت قبل أن يتمكن شقيقها من إنقاذها، وكذلك ابنته التي ماتت بصورة غامضة في القصر.

وهناك أيضا «باب عزب»، وهو ممر صخري داخل القلعة، شهد مذبحة القلعة الشهيرة التي دبرها محمد علي، والي مصر، عام 1811 ضد المماليك، وأسفرت عن مقتل قرابة 500 فرد. وهناك شائعات حول صدور أصوات غريبة وصرخات المقتولين غدرا حتى اليوم.

وعلل سامي محمود، رئيس قطاع السياحة الدولية بهيئة تنشيط السياحة، غياب سياحة ما وراء الطبيعة في مصر، بعدم توافر الإمكانات والبنية التحتية، موضحا أنه «قد تقع ظواهر خارقة للطبيعة بأماكن نائية لا توجد بها فنادق أو مواصلات تمكن من تنظيم جولات إليها»، وأبدى ترحيبه بإقرار هذا النمط الجديد من السياحة بمصر، شريطة أن تحكمه ضوابط، على رأسها «ضرورة التحقق العلمي من صدق الظاهرة حتى لا يتحول الأمر إلى المتاجرة في الخرافة والترويج للدجل».

الملاحظ أن مثل هذه الضوابط متوافرة بالفعل في أسلوب تنظيم الجولات السياحية من هذا النوع في الغرب، ذلك أن المنظمين يحرصون عادة إلى الاستعانة بما يطلق عليهم «صائدو الأشباح»، الذين يحملون معهم معدات خاصة يؤكدون أنه من خلالها يمكن رصد وتسجيل أي ظاهرة خارقة، أو شبح. ويجري تأجير بعض هذه المعدات إلى السائحين كي يسجلوا تجربتهم بأنفسهم، وبمقدور المشتركين الانضمام إلى فرق من المحققين المختصين بدراسة الظواهر الخارقة للطبيعة لمعايشة عملهم.

مثلا، يضم فندق «ستانلي» في كولورادو المشهور بالظواهر الغريبة به، الذي يستقبل نزلاء منذ 101 عام، باحثا متخصصا في الظواهر الخارقة للطبيعة، بالإضافة إلى طبيب نفسي. ويعرض الفندق على الراغبين من النزلاء تأجير معدات لرصد الظواهر الخارقة، والدخول إلى أكثر أجزاء الفندق التي تعج بالظواهر الغريبة، التي يُمنع النزلاء العاديون من الولوج إليها.

وتتركز معظم الحوادث الغريبة بالفندق في الغرفة «401»، التي يقال إنه يسكنها شبحان؛ أحدهما لامرأة كانت تعمل سابقا في خدمة الغرف تدعى السيدة ويلسون، وقد شكا أحد نزلاء الغرفة من أن الوسادة سحبت من أسفل رأسه وتحركت الملاءة لتغطي رأسه، وبدا وكأن شخصا شرع في ترتيب السرير على الرغم من أنه لم يره.

إلا أن دكتورة تحية عبد العال، أستاذة علم النفس بكلية التربية جامعة بنها، ترى أن هذا النمط من السياحة ليس أمامه فرص كبيرة للنجاح في دولة نامية مثل مصر، وفسرت السبب بقولها: «الظروف الاقتصادية العصيبة تجعل قائمة الأولويات أمام الناس مزدحمة على نحو لا يسمح برفاهية التفكير في هذا النمط من السياحة».

كما أبدت تخوفها من أن «الشعوب الشرقية بطبيعتها تميل للإيمان بالخرافات لما يعانيه الكثير منها من تخلف، لذا من الخطر الترويج لهذا النمط من السياحة بها، على عكس الشعوب الغربية التي تميل للفكر المتفتح العقلاني».

الملاحظ أن عددا من العوامل ساعد في ظهور هذه السياحة في المجتمعات الغربية، منها الاحتفال بعيد جميع القديسين أو «هالوين» سنويا في 31 أكتوبر (تشرين الأول) بصورة أساسية في آيرلندا واسكوتلندا وكندا والولايات المتحدة. ويجري خلاله ارتداء ملابس تنكرية وإقامة حفلات تنكرية، وزيارة مناطق يقال إنها مسكونة بالأشباح وسرد قصص مرعبة ومشاهدة أفلام رعب، ويعتقد أن جذور هذا الاحتفال تضرب في الحضارة السلتية القديمة، وتحديدا ترجع إلى عيد كانوا يطلقون عليه «سوين»، ويجري الاحتفاء خلاله بنهاية «النصف المضيء» من العام وبداية «النصف المظلم»، مع الاعتقاد بأن الحدود الفاصلة بين عالمنا والعالم الآخر تتضاءل في هذه الفترة لتسمح للأرواح، خيِّرها وشريرها، بالانتقال إلى عالمنا بسهولة.

ويتمثل عامل آخر وراء رواج فكرة سياحة ما وراء الطبيعة بالغرب في أن الروايات التي تتناول مثل هذه الظواهر تضرب بجذور عميقة في التاريخ الغربي، ذلك أن أول قصة مسجلة حول مطاردة شبح تعود لعام 100 قبل الميلاد، ووضعها بلايني الصغير، محام وكاتب في روما القديمة، وحقق بشأنها الفيلسوف أثينودورو، ودارت حول منزل يملكه بلايني في أثينا. وادعى أن شبحا كان يظهر بمنزله متجسدا في صورة رجل عجوز ذي لحية.

أما العامل الأهم وراء عدم تحول الولع بالأشباح إلى ترويج للخرافة والدجل فيعود إلى أن المجتمعات الغربية عمدت إلى التعامل مع الأمر من منظور مادي علمي منذ أمد بعيد، حيث تأسست جمعيات في إنجلترا والولايات المتحدة منذ القرن التاسع عشر للتحقيق بشأن الظواهر الخارقة للطبيعة مثل السحر والأشباح، كان أولها «جمعية الأبحاث العقلية» عام 1882 في كامبردج بإنجلترا.

وبالنسبة لأبرز المعالم في الغرب التي يمكن للسائح المهتم بما وراء الطبيعة زيارتها، نجد قلعة بران في ترانسلفانيا برومانيا، التي أمر ببنائها الملك الهنغاري لويس الأول عام 1377. وتحولت الآن لمتحف مفتوح أمام السائحين. ترجع شهرة القلعة لارتباطها بـ«الكونت دراكولا»، بطل رواية للأديب الآيرلندي برام ستوكر، وضعها عام 1897، وصوره خلالها كمصاص دماء. وشخصية فلاد دراكولا حقيقية، وعاشت بين عامي 1431 و1476، وكان حاكما للمنطقة يبجله الرومانيون بشدة، واشتهر بقسوته البالغة ضد أعدائه، لكن التاريخ لا يذكر أي صلة بينه وبين مصاصي الدماء المزعومين.

أما إنجلترا، فتعج بقصص الأشباح، وتحمل عاصمتها لقب أكثر عاصمة مسكونة بالأشباح في العالم، وربما كان أشهر معالم العاصمة على الإطلاق برج لندن الذي يمتلئ تاريخه بقصص لا حصر لها للتعذيب والسجن والإعدام بالمقصلة، ومن أشهر الأشباح التي يقال إنها تظهر به شبح الملكة آن بولين (1501 - 1536)، زوجه الملك هنري الثامن، التي أعدمت بالمقصلة.

وكان لقلعة ويندسور، في بيركشير، ومقر ملوك بريطانيا لقرون طويلة، نصيبها من الأشباح الملكية، وزعم كثيرون مشاهدة الملكة إليزابيث الأولى في المكتبة الملكية بالقلعة، بل يقال إن أفرادا من العائلة المالكة شاهدوها.

في أدنبرة باسكوتلندا يوجد طريق ماري كينغز كلوز، وهو أحد الطرق المسدودة التي كان يترك بها ضحايا الطاعون ليموتوا في القرن السابع عشر. ويؤكد زائرو المنطقة شعورهم بتعرضهم للمسات مجهولة المصدر.

في الولايات المتحدة، توجد مدينة سالم بولاية ماساتشوستس. بدأت الأحداث المؤسفة التي تشتهر بها المدينة عام 1692 عندما شخّص طبيب حالات عدة مراهقات بأنهن تعرضن لمس من السحر. وترتب على ذلك شنق 19 شخصا، واجتاحت هيستريا جماعية المدينة. في العام التالي صدر مرسوم بإطلاق سراح جميع المسجونين المتهمين بممارسة السحر، الذين وصل عددهم قرابة 150 شخصا. ومنذ ذلك الحين لم يُعدم أحد داخل الولايات المتحدة بتهمة السحر، ويروي «متحف سالم للسحر» (سالم ويتش ميوزيم) فصول هذه المأساة، قائلا: «من أشهر الأماكن المسكونة المزعومة بالبلاد (مانتشاك سوامب) في لويزيانا، ويطلق عليها أيضا (مستنقع الأشباح). ويعتقد أن ساحرة ألقت لعنتها على المنطقة في عشرينات القرن الماضي عندما سجنها سكان محليون بها لاتهامهم لها بممارسة السحر. وبعد فترة قصيرة من إلقائها اللعنة المزعومة، هب إعصار قوي على المنطقة أسفر عن تدمير ثلاث قرى حرقا، وأصبحت المنطقة بأكملها مهجورة الآن وتثير الرهبة في نفوس زائريها».