المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلم الالهي اساس كل العلوم(ومنها الكيمياء)


باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-27-2015, 08:43 PM
العلم الالهي اساس كل العلوم(ومنها الكيمياء)

هو علم يبحث فيه عن الحوادث، من حيث هي موجودات‏.‏ ‏(‏2/ 100‏)‏

وموضوعه الوجود من حيث هو‏.‏

وغايته تحصيل الاعتقادات الحقة، والتصورات المطابقة لتحصيل السعادة الأبدية، والسيادة السرمدية كذا في‏:‏ ‏(‏‏(‏مفتاح السعادة‏)‏‏)‏‏.‏

وفي كشاف اصطلاحات الفنون‏:‏ هو علم بأحوال ما يفتقر في الوجودين أي الخارجي، والذهني إلى المادة‏.‏

ويسمى أيضاً بالعلم الأعلى، وبالفلسفة الأولى، وبالعلم الكلي، وبما بعد الطبيعة، وبما قبل الطبيعة، والبحث فيه عن الكميات المتصلة، والكيفيات المحسوسة، والمختصة بالكميات، وأمثالها مما يفتقر إلى المادة في الوجود الخارجي استطرادي، وكذا البحث عن الصورة؛ مع أن الصورة تحتاج إلى المادة في التشكل، كذا في العلمي، وفي الصدر أمن الحكمية النظرية، ما يتعلق بأمور غير مادية مستغنية القوام، في نحوي الوجود العيني، والذهني عن اشتراط المادة؛ كالإله الحق، والعقول الفعالة، والأقسام الأولية للموجود كالواجب، والممكن، والواحد، والكثير، والعلة، والمعلول، والكلي، والجزئي، وغير ذلك فإن خالط شيء منها المواد الجسمانية فلا يكون على سبيل الافتقار، والوجوب‏.‏

وسموا هذا القسم‏:‏ العلم الأعلى، فمنه العلم الكلي المشتمل على تقاسيم الوجود المسمى بالفلسفة الأولى، ومنه الإلهي الذي هو فن من المفارقات‏.‏

وموضوع هذين الفنين‏:‏ أعم الأشياء، وهو الموجود المطلق من حيث هو‏.‏ انتهى‏.‏

وأصول الإلهي خمسة‏:‏

الأول‏:‏ الأمور العامة‏.‏

الثاني‏:‏ إثبات الواجب وما يليق به‏.‏

الثالث‏:‏ إثبات الجواهر الروحانية‏.‏

الرابع‏:‏ بيان ارتباط الأمور الأرضية بالقوى السماوية‏.‏

الخامس‏:‏ بيان نظام الممكنات‏.‏

وفروعه قسمان‏:‏ ‏(‏2/ 101‏)‏

الأول‏:‏ البحث عن كيفية الوحي، وصيرورة العقل محسوساً، ومنه تعريف الإلهيات، ومنه الروح الأمين‏.‏

الثاني‏:‏ العلم بالمعاد الروحاني‏.‏ انتهى‏.‏

وقال صاحب‏:‏ ‏(‏إرشاد القاصد‏)‏‏:‏ يعبر عنه بالإلهي لاشتماله على علم الربوبية‏.‏

وبالعلم الكلي لعمومه، وشموله لكليات الموجودات‏.‏

وبعلم ما بعد الطبيعة، لتجرد موضوعه عن المواد ولواحقها‏.‏

قال‏:‏ وأجزاؤه الأصلية خمسة‏:‏ الأول‏:‏ النظر في الأمور العامة مثل الوجود، والماهية، والوجوب، والإمكان، والقدم، والحدوث، والوحدة، والكثرة‏.‏

والثاني‏:‏ النظر في مبادئ العلوم كلها، وتبيين مقدماتها ومراتبها‏.‏

والثالث‏:‏ النظر في إثبات وجود الإله، ووجوبه، والدلالة على وحدته، وصفاته‏.‏

والرابع‏:‏ النظر في إثبات الجواهر المجردة من العقول، والنفوس، والملائكة، والجن، والشياطين، وحقائقها، وأحوالها‏.‏

والخامس‏:‏ النظر في أحوال النفوس البشرية بعد مفارقتها، وحال المعاد‏.‏

ولما اشتدت الحاجة إليه اختلفت الطرق‏.‏

فمن الطالبين‏:‏ من رام إدراكه بالبحث، والنظر، وهؤلاء زمرة الحكماء الباحثين، ورئيسهم أرسطو، وهذا الطريق أنفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب، وقامت عليها براهين يقينية - وهيهات -‏.‏

ومنهم‏:‏ من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة، وأكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان، ويجل أن توصف بلسان‏.‏

ومنهم‏:‏ ابتدأ أمره بالبحث، والنظر، وانتهى إلى التجريد، وتصفية النفس فجمع بين الفضيلتين، وينسب مثال هذا الحال إلى سقراط، وأفلاطون، والسهروردي، والبيهقي‏.‏ انتهى‏.‏

وقال أبو الخير‏:‏ وهذا العلم هو المقصد الأقصى، والمطلب الأعلى لكن لمن وقف على حقائقه، واستقام في الإطلاع على دقائقه لأن حظي به فقد فاز فوزاً ‏(‏2/ 102‏)‏ عظيماً، ومن زلت فيه قدمه، أو طغى به قلمه، فقد ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً، إذ الباطل يشاكل الحق في مأخذه، والوهم يعارض العقل في دلائله - جل جناب الحق عن أن يكون شريعة الكل وارد، أو يطلع على سرائر قدسه إلا واحد بعد واحد، وقلما يوجد إنسان يصفو عقله عن كدر الأوهام، ويخلص فهمه عن مهاوي الإيهام، ويستسلم لما قرره الأعلام‏.‏

واعلم أن من النظر، رتبة تناظر طريق التصفية، ويقرب حدها من حدها، وهو طريق الذوق، ويسمونه الحكمة الذوقية‏.‏

وممن وصل إلى هذه الرتبة في السلف السهروردي، وكتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏حكمة الإشراق‏)‏‏)‏ له، صادر عن هذا المقام برمز أخفى من أن يعلم، وفي المتأخرين‏:‏ الفاضل الكامل، مولانا شمس الدين الفناري، في بلاد الروم، ومولانا جلال الدين الدواني، في بلاد العجم، ورئيس هؤلاء الشيخ صدر الدين القونوي، والعلامة قطب الدين الشيرازي‏.‏ انتهى‏.‏ ملخصاً أو سيأتي تمام التفصيل في الحكمة عند تحقيق الأقسام - إن شاء الله، العزيز العلام -‏.‏

واعلم أن منبع العلوم الحكمية النظرية، وأستاذ الكل فيها إدريس - عليه السلام -، آتاه الله الحكمة، والنبوة، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، وعلم النجوم‏.‏ وأفهمه عدد السنين، والحساب، وعلّمه الألسنة؛ حتى تكلم الناس في زمنه باثنين، وتسعين لساناً، ولد بمصر، وسموه هرمس الهرامس، وباليونانية أرمس بمعنى عطارد، وعرّب بهرمس، واسمه الأصلي هنوخ، وعرّب أخنوخ، وسماه الله تعالى في كتابه العربي المبين إدريس لكثرة دراسة كتاب الله تعالى‏.‏

وقيل‏:‏ إن معلمه غوثاديمون، أو أغثاذيمون المصري، وتفسيره السعيد الجدّ قيل‏:‏ وهو شيث - عليه السلام -‏.‏

ثم إن إدريس، عرّف الناس صفة نبينا محمد - صلى الله عليه، وسلم -، بأنه يكون بريئاً عن المذمات، والآفات كلها، كاملاً في الفضائل الممدوحات، لا يقصر عما يسأل عنه مما في الأرض، والسماء، ومما فيه دواء، وشفاء، وأنه يكون مستجاب الدعوة في كل ما يطلبه ‏(‏2/ 103‏)‏، ويكون مذهبه، ودينه ما يصلح به العالم‏.‏

وكانت قبلة إدريس جهة الجنوب على خط نصف النهار، كان رجلاً تام الخلقة، حسن الوجه، أجلح، كث اللحية، مليح الشمائل، والتخاطيط، تام الباع، عريض المنكبين، ضخم العظام، قليل اللحم، براق العين أكحلها، متأنياً في كلامه، كثير الصمت، وإذا اغتاظ أخذ يحرك سبابته إذا تكلم، وكانت مدة مقامه في الأرض اثنتين وثمانين سنة، ثم دفعه الله مكاناً علياً‏.‏

وهو أول من خاط الثياب، وحكم بالنجوم، وأنذر بالطوفان، وأول من بنى الهياكل، ومجّد الله فيها، وأول من نظر في الطب، وأول من ألّف القصائد والأشعار، وهو الذي بنى أهرام بمصر، وصور فيها جميع العلوم، والصناعات، وآلاتها خشية أن يذهب رسمها بالطوفان‏.‏

واعلم أيضاً أن من أساتذة الحكمة، الحكيم أفلاطون أحد الأساطين الخمسة، للحكمة من يونان كبير القدر مقبول القول، البليغ في مقاصده‏.‏

أخذ عن فيثاغورس، وشارك مع سقراط في الأخذ عنه، وصنف في الحكمة كتباً، لكن اختار فيها الرمز، والإغلاق، وكان يعلّم تلاميذه وهو ماش، ولهذا سموا المشائين، وفوض الدرس في آخر عمره إلى أرشد أصحابه، وانقطع هو للعبادة، وعاش ثمانين سنة، وولد في مدينة أنيس، ولازم سقراط خمسين سنة، وكان عمره إذ ذاك عشرون سنة، وتزوج امرأتين، وكانت نفسه في التعليم مباركة، تخرّج بها علماء اشتهروا من بعده‏.‏

ومن جملة أساتذة الحكمة أرسطاطاليس تلميذ أفلاطون لازم خدمته مدة عشرين سنة، وكان أفلاطون يؤثر على غيره، ويسميه العقل، وهو خاتم حكماءهم، وسيد علمائهم، وأول من استخرج المنطق، وله كتب شريفة في الفلسفة، وكان معلم الإسكندر بن فيلقوس، وبآدابه، وسياسته عمل هو فظهر الخير، وفاض العدل، وبه انقمع الشرك في بلاد اليونانيين‏.‏ ‏(‏2/ 104‏)‏

ومعنى أرسطاطاليس محب الحكمة، أو الفاضل الكامل، عاش سبعاً وستين سنة، ومصنفاته تنيف على ثمانين، وكان أبيض أجلح، حسن القامة، عظيم العظام، صغير العينين والفم، عريض الصدر، كث اللحية، أشهل العينين، أقنى الأنف، يسرع في مشيته، ناظراً في الكتب دائماً، يقف عند كل كلمة، ويطيل الإطراق عند السؤال، قليل الجواب، ينتقل في أوقات النهار في الفيافي، ونحو الأنهار، محباً لاستماع الألحان، والاجتماع بأهل الرياضة، وأصحاب الجدل، منصفاً في نفسه إذا خصم، ويعرف بموضع الإصابة والخطأ، معتدلاً في الملابس، والمآكل، مات وله ثمان وتسعين سنة، ثم إنه تخلف عن خدمة الملوك، وبنى موضع التعليم، وأقبل على العناية بمصالح الناس‏.‏

وكان جليل القدر كثير التلاميذ من الملوك، وأبناءهم، وكان أهل مدينة أسطا إذا أشكل عليهم أمر؛ يجتمعون إلى قبره حتى يفتح لهم، ويزعمون أن قبره يصحح فكرهم، ويذكي عقولهم، واستيفاء أخباره لا يمكن إلا في مجلد‏.‏

ومن جملة أساتذة الحكمة الفارابي، وهو أبو نصر محمد بن محمد، كان ذكياً، حكيماً، مشهوراً، صاحب التصانيف في المنطق، والمحكمة، وغيرهما من العلوم، وهو أكبر فلاسفة الإسلاميين، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه، وتخرج ابن سينا في كتبه، وبعلومه، انتفع في تصانيفه، كان رجلاً تركياً، تنقلت به الأسفار، إلى أن وصل بغداد، وهو يعرف كثيراً من اللغات غير العربي، ثم تعلمه، وأتقنه‏.‏

ثم اشتغل بالحكمة فقرأ على أبي بشر - متى بن يونس الحكيم - من شرح كتاب أرسطو في المنطق سبعين سفراً، وكان هو شيخاً كبيراً، له صيت عظيم، يجتمعون في حلقته كل يوم المئون من المنطقيين، ثم أخذ طرفاً من المنطق، من أبي حنا ابن خيلان الحكيم النصراني بمدينة حران، ثم نقل إلى بغداد، وقرأ بها علوم الفلسفة، وتمهر في كتب أرسطو جميعها يقال وجد كتاب النفس لأرسطو عليه مكتوب بخط الفار أبي‏:‏ إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة، وقال‏:‏ قرأت السماع الطبعي لأرسطو، ‏(‏2/ 105‏)‏ أربعين مرة، ومع ذلك إني محتاج إلى معاودته، وكان يقول‏:‏ لو أدركت أرسطو لكنت أكبر تلامذته‏.‏

ثم سافر إلى دمشق، ثم إلى مصر، ثم عاد إلى دمشق، فأحسن إليه سلطانها سيف الدولة بن حمدان وأجرى عليه كل يوم أربعة دراهم، لأنه كان أزهد الناس في الدنيا، لا يحتفل بأمر مكتسب، ولا مسكن لذلك أقتصر على أربعة دراهم، وكان منفرداً بنفسه لا يكون إلا في مجتمع ماء، أو مشبك رياض، ويؤلف كتبه هناك، وكان أكثر تصانيفه في الرقاع، ولم يصنف في الكراريس، إلا قليلاً فلذلك كانت أكثر تصانيفه فصولاً، وتعليقات، وبعضها ناقصاً‏.‏

يحكى أن الآلات المسماة بالقونون من تركيبه‏.‏

توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة بدمشق، وقد ناهز ثمانين سنة‏.‏

وعدد مصنفاته من الكتب، والرسالة سبعون كلها نافعة، سيما كتابان في العلم الإلهي، والمدني لا نظير لهما‏.‏

أحدهما‏:‏ المعروف بالسياسة المدنية‏.‏

والأخرى‏:‏ بالسيرة الفاضلة، وصنف كتاباً شريفاً في إحصاء العلوم، والتعريف بأغراضها، لم يسبق إليه أحد ولا ذهب أحد مذهبه، ولا يستغني عنه أحد من طلاب العلم، وكذا كتابه في أغراض أفلاطون وأرسطو أطلع فيه على أسرار العلوم، ‏(‏2/ 106‏)‏ وثمارها علماً علماً، وبيّن كيفية التدرج من بعضها إليها بعض شيئاً فشيئاً، ثم بدأ بفلسفة أرسطو، ووصف أغراضه في تواليفه المنطقية، والطبيعية فلا أعلم كتاباً أجدى على طلب الفلسفة منه‏.‏

وفاراب‏:‏ إحدى مدن الترك فيما وراء النهر‏.‏

ومن جملة أساطين الحكمة‏:‏ أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا الحكيم المشهور، وكان أبوه من بلخ، ثم انتقل منها إلى بخارا، وكان من العمال الكفاة، وتولى العمل بقرية من بخارا يقال لها هرميّن، ثم انتقلوا إلى بخارا، وانتقل الرئيس بعد ذلك في البلاد وأشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين من عمره، أتقن علم القرآن العزيز، والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين، وحساب الهندسة، والجبر، والمقابلة، ثم قرأ كتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏إيساغوجي‏)‏‏)‏، علي أبي عبد الله النابلي، وأحكم عليه ظواهر المنطق‏:‏ لأنه لم يكن يعرف دقائقها، ثم حل هو نفسه دقائق غفل عنها الأوائل، وأحكم عليه إقليدس، والمجسطي، وفاقه أضعافاً كثيرة‏.‏

وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسماعيل الزاهد يقرأ، ويبحث، ويناظرهم، ثم اشتغل بتحصيل الطبعي، والإلهي، وغير ذلك، وفتح الله عليه أبواب العلوم، ثم فاق في علم الطب الأوائل، والأواخر، في أقل مدة وأصبح عديم القرين فقيد المثيل

وقرأ عليه فضلاء هذا الفن، أنواعه، والمعالجات المقتبسة من التجربة، وسنه إذ ذاك نحو ستة عشر؛ وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها، ولم يشتغل في النهار بشيء سوى العلم، والمطالعة، وكان إذا أشكلت عليه مسئلة توضأ، وقصد المسجد الجامع، وصلى، ودعا الله عز وجل، أن يسهلها عليه، ويفتح مغلقها له فتح الله - تبارك وتعالى - مشكلاتها‏.‏

ثم اتصل بخدمة نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان بسبب الطب، ودخل إلى خزانة كتبه، واطلع على كتب لم تقرع آذان الزمان بمثلها، وحصل نخب ‏(‏2/ 107‏)‏ فوائدها، وتحلى بنفائس فرائدها‏.‏

ويحكى عنه أنه لم يطلع على مسئلة إلى آخر عمره إلا وكان يعرفها، وكان في ثمانية عشر سنين من سنّه حتى حكي عنه أنه قال‏:‏ كل ما علمته في ذلك الوقت، فهو كما علمته الآن لم أزد عليه إلى اليوم، وهذا أمر عظيم، لا يكاد يقبله العقل، لولا عرف حد ذكائه‏.‏

ثم تنقلت به الأحوال بأمور يطول شرحها حتى استوزر، ثم عزل، وحبس، وبعد هذه الأحوال كلها مرض، ثم صلح، ثم دخل إلى أن ضعف جداً، ثم اغتسل، وتاب، وتصدق بما معه على الفقراء، ورد المظالم على من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، ثم مات يوم الجمعة من رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمائة بهمذان، وكانت ولادته سنة سبعين وثلاثمائة في شهر صفر، وقيل‏:‏ توفي بأصبهان، وفضائله كثيرة شهيرة، وكان نادرة عصره، في علمه، وذكائه، وتصانيفه‏.‏

وعدة مؤلفاته ثمانية وستون على الأشهر، وقيل‏:‏ يقارب مائة مصنف ما بين مطول، ومختصر‏.‏

ورسائله بديعة منها‏:‏ ‏(‏‏(‏رسالة حي بن يقظان‏)‏‏)‏، و‏:‏ ‏(‏‏(‏رسالة سلامان‏)‏‏)‏، و‏:‏ ‏(‏‏(‏إبسال‏)‏‏)‏، و‏:‏ ‏(‏‏(‏رسالة الطب‏)‏‏)‏، و‏:‏ ‏(‏‏(‏قصيدة الورقاء‏)‏‏)‏، يرمز بها عن النفس الناطقة‏.‏

ومن جملة أساطين الحكمة الإمام فخر الدين الرازي وممن نحا نحو ابن سينا، ‏(‏2/ 108‏)‏ والرازي‏.‏

نصير الدين الطوسي، وهو محمد بن محمد سلطان الحكماء المدققين، وقدوتهم في زمانه جامع علوم المتقدمين، والمتأخرين‏.‏

ولد يوم السبت حادي عشر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، توفي آخر نهار الاثنين ثامن عشر ذي الحجة، وقت مغيب الشمس سنة اثنتين وسبعين وستمائة، ودفن بالمشهد الكاظمي‏.‏

وكان آية في التدقيق، والتحقيق، وحل المواضع، المشكلة، سيما‏:‏ ‏(‏‏(‏لطف التحرير‏)‏‏)‏، الذي لم يلتفت إليه المتقدمون، بل التفتوا إلى جانب المعنى فقط، ثم إن الفاضل الشريف قلده في أمر التحرير، والتقرير، كما يظهر ذلك بالنظر في تصانيفهما‏.‏

وكان غالياً في التشيع، كما يفصح عنه المقصد السادس من التجريد إلا أن الشيخ أكمل الدين، قال‏:‏ في أواخر شرحه للتجريد سمعت شيخي العلامة قطب الدين الشيرازي، قال‏:‏ كان الناس مختلفين في أن هذا الكتاب يعني التجريد لخواجه نصير الدين أولاً فسأل عن ذلك ابنه خواجه أصيل الدين، فقال‏:‏ كان والدي وضعه إلى باب الإمامة وتوفي فكمله ابن المطهر الحلي وكان من الشيعة وهو زائغ زيغاً عظيماً فعلى هذه الرواية يكون بريئاً عن نقيصة التشيع، إلا أن المشهور عند الجمهور خلاف‏.‏

وبمن يلي هؤلاء في معرفة الحكمة الشيخ شهاب الدين السهروردي بل فاق كثيراً في الحكمة الذوقية

وممن خرط في سلكهم الشيخ قطب دن الشيرازي، والشيخ قطب الدين الرازي، وسعد الدين التفتازاني، والسيد الشريف الجرجاني، ثم الجلال الدواني،

قال الأرنيقي‏:‏ بعد ما ذكر في‏:‏ ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏ ومن فضلاء بلادنا مولانا مصلح ‏(‏2/ 109‏)‏ الدين مصطفى الشهير بخواجه زاده، ومصلح الدين مصطفى الشهير بالقسطلاني، لكن هؤلاء السبعة قد فاقوا على أكثر المتقدمين في الحديث، والتفسير، والأصول، والفروع، إلا أن الإمام فخر الدين الرازي، فإنه تمهر فيها، مع مشاركته لهؤلاء في علوم الحكمة بأقسامها، وإن اتقانه أقوى من إتقانهم‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وفي قوله فاق على أكثر المتقدمين إلى آخره نظراً لأن العلم المجرد بالحديث، والتفسير، لا يكفي في صحة الاعتقاد، والعمل، حتى يستعملها على وجههما، ويقول بمقتضاهما، ويحقق فحواهما، ‏{‏وأنى لهم التناوش من مكان بعيد‏}‏‏.‏

والفخر الرازي أكثر كلاماً من هؤلاء في علوم التفسير، ولكن قال أهل التحقيق في حق كتابه‏:‏ ‏(‏‏(‏مفاتيح الغيب‏)‏‏)‏، فيه كل شيء إلا التفسير، وقد بحث في تفسيره هذا عن كل شيء، لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد أخطأ في مواضع مما يتعلق بفهم القرآن الكريم، ويقال‏:‏ إنه لم يكمل تفسيره، بل كمله بعض من جاء بعده، والخطأ منه، وقد أصاب في مواضع منها‏:‏ رد التقليد، واثبات الاتباع‏.‏ - والله أعلم -‏.‏

ثم قال في‏:‏ ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏:‏ إن الكتب المؤلفة في العلم الإلهي، لما لم يخل عن الرياضي، والطبعي أيضاً أحببنا أن نذكره بعد الفراغ عن الكل - اللهم إلا نادراً -‏:‏ ‏(‏‏(‏كالمباحث المشرقية‏)‏‏)‏ للإمام فخر الدين الرازي، وأمثاله، ولا تظن أن العلوم الحكمية مخالفة للعلوم الشرعية مطلقاً، بل الخلاف في مسائل يسيرة، وبعضها مخالف في مسائل قليلة، ظاهراً، لكن إن حقق يصافح أحدهما الآخر، ويعانقه‏.‏ انتهى‏.‏

قال في‏:‏ ‏(‏‏(‏كشف الظنون‏)‏‏)‏ ثم اعلم أن البحث والنظر في هذا العلم لا يخلو إما‏:‏ أن يكون على طريق النظر أو‏:‏ على طريق الذوق، فالأول‏:‏ إما على قانون فلاسفة المشائين، فالمتكفل له كتب الحكمة، أو على قانون المتكلمين، فالمتكفل حينئذ كتب الكلام لأفاضل المتأخرين، والثاني‏:‏ إما على قانون فلاسفة الإشراقين، فالمتكفل له حكمة الإشراق، ونحوه، أو على قانون الصوفية واصطلاحهم فكتب التصوف‏.‏ ‏(‏2/ 110‏)‏

وقد علم موضوع هذا الفن، ومطالبه، فلا تغفل، فإن هذا التنبيه، والتعليم، مما فات عن أصحاب الموضوعات، - وفوق كل ذي علم عليم -‏.‏

وعبارة ابن خلدون في‏:‏ ‏(‏‏(‏تاريخه‏)‏‏)‏ هكذا‏.‏

قال‏:‏ علم الإلهيات‏:‏ هو علم ينظر في الوجود المطلق‏.‏

فأولاً‏:‏ في الأمور العامة للجسمانيات، والروحانيات من الماهيات، والوحدة، والكثرة، والوجوب، والإمكان، وغير ذلك‏.‏

ثم ينظر في مبادئ الموجودات، وأنها روحانيات، ثم في كيفية صدور الموجودات عنها، ومراتبها، ثم في أحوال النفس بعد مفارقة الأجسام، وعودها إلى المبدأ‏.‏

وهو عندهم‏:‏ علم شريف يزعمون أنه يوقفهم على معرفة الوجود على ما هو عليه، وإن ذلك عين السعادة في زعمهم، وسيأتي الرد عليهم، وهو تال للطبيعيات في ترتيبهم، ولذلك يسمونه‏:‏ علم ما وراء الطبيعة، وكتب المعلم الأول فيه موجود بين أيدي الناس، ولخصه ابن سينا في كتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏الشفاء والنجاة‏)‏‏)‏، وكذلك لخصها ابن رشد - من حكماء الأندلس -‏.‏

ولما وضع المتأخرون في علوم القوم، ودونوا فيها، رد عليهم الغزالي ما رد منها، ثم خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة، لعروضها في مباحثهم، وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات، ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات، والإلهيات، وخلطوهما فناً واحداً، قدموا الكلام في الأمور العامة، ثم أتبعوه بالجسمانيات، وتوابعها، إلى آخر العلم‏.‏

كما فعله الإمام ابن الخطيب في‏:‏ ‏(‏‏(‏المباحث المشرقية‏)‏‏)‏، وجميع من بعده من علماء الكلام، وصار علم الكلام مختلطاً بمسائل الحكمة، وكتبه محشوة بها، كان الغرض من موضوعهما، ومسائلهما، واحد، والتبس ذلك على الناس، وهي غير صواب، لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد ملتقاة من ‏(‏2/ 111‏)‏ الشريعة، كما نقلها السلف من غير رجوع فيها، إلى العقل، ولا تعويل عليه، بمعنى أنها لا تثبت إلا به، فإن العقل معزول عن الشرع، وأنظاره‏.‏

وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثاً عن الحق فيها، فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلوماً هو شأن الفلسفة، بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان، ومذاهب السلف فيها، وتدفع شبه أهل البدع عنها، الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية، وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية، كما تلقاها السلف، واعتقدوها، وكثيراً ما بين المقامين من التفاوت في ذلك مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية، فهي فوقها، ومحيطة بها، لاستمدادها من الأنوار الإلهية، فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف، والمدارك المحاط بها‏.‏

فإذا هدانا الشارع إلى مدرك، فينبغي أن نقدمه على مداركنا، ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل، ولو عارضه، نعتمد ما أمرنا به، اعتقاداً، وعلماً، ونسكت عما لم نفهم من ذلك، ونفوضه إلى الشارع، ونعزل العقل عنه‏.‏

والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية، بالبدع النظرية، فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضاتهم، واستدعى ذلك الحجج النظرية، والبطلان، فليس من موضوع علم الكلام، ولا من جنس أنظار المتكلمين، فاعلم ذلك، لتميز به بين الفنين، فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع، والتأليف، والحق مغايرة كل منه لصاحبه، بالموضوع، والمسائل، وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال، وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتداد بالدليل، وليس كذلك، بل إنما هو رد على الملحدين‏.‏

والمطلوب مفروض الصدق معلومه، وكذا جاء المتأخرين من غلاة المتصوفة، المتكلمين بالمواجد أيضاً، فخلطوا مسائل الفنين بفنهم، وجعلوا الكلام واحداً فيه كلها، مثل كلامهم في النبوات، والاتحاد والحلول، والوحدة، وغير ذلك‏.‏

والمدارك في هذه الفنون الثلاثة متغايرة مختلفة، وأبعدها من جنس الفنون ‏(‏2/ 112‏)‏ والعلوم مدارك المتصوفة، لأنهم يدعون فيها الوجدان، ويفرون عن الدليل، والوجدان بعيد عن المدارك العلمية، وأبحاثها، وتوابعها كما بيناه ونبينه، - والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم -‏.‏ انتهى كلامه‏.‏

علم أمارات النبوة

من الإرهاصات والمعجزات القولية والفعلية وأمثال ذلك، وكيفية دلالة هذه على النبوة، والفرق بينها وبين السحر، وتمييز الصادق من الكاذب‏.‏

وموضوعه وغايته‏:‏ ظاهرة جداً، ومنفعته أعظم المنافع‏.‏

وفي هذا العلم مصنفات كثيرة، لكنه لا أنفع ولا أحسن من كتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏أعلام النبوة‏)‏‏)‏ للشيخ الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي، وهو كان من كبراء الفقهاء الشافعية، توفي سنة 450، وعمره ست وثمانون سنة، ذكره في ‏(‏‏(‏مدينة العلوم‏)‏‏)‏‏.‏


علم الأمثال

وهذا من فروع علم اللغة، وهو‏:‏ معرفة الألفاظ الصادرة عن البليغ، المشتهرة بين الأقوام بخصوص ألفاظها، وهيئاتها، وموردها، وسبب ورودها، وقائلها، وزمانها، ومكانها، لئلا يقع الغلط عند استعمالاتها في مضاربها، وهي‏:‏ المواضع، والمقامات المشبهة بمواردها، ولا بد لمعاني تلك الألفاظ المذكورة من حيث ورودها في مواردها، مضاربها بالنوع‏.‏

ومباديه مقدمات حاصلة بالتواتر من ألفاظ الثقات،

وأما غرضه ومنفعته‏:‏ فغنيان عن البيان، فإن الأمثال أشد ما يحتاج إليه المنشئ، والشاعر، لأنها تكسو الكلام حلة التزيين، وترقيه أعلى درجات التحسين‏.‏

ومن الكتب النافعة فيه‏:‏ كتاب لابن الأنباري

ومنها‏:‏ ‏(‏‏(‏المستقصى في الأمثال‏)‏‏)‏ للزمخشري

ومنها‏:‏ ‏(‏‏(‏مجمع الأمثال‏)‏‏)‏ للإسفرائني، وهو كتاب عظيم جامع، كذا في‏:‏ ‏(‏‏(‏مدينة ‏(‏2/ 113‏)‏ العلوم‏)‏‏)‏‏.‏

وقلت‏:‏ ومنها كتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏الأمثال‏)‏‏)‏ للميداني، وهو أجمع ما جمع فيه‏.‏

قال في ‏(‏‏(‏كشف الظنون‏)‏‏)‏‏:‏ علم الأمثال‏:‏ يعني ضروبها، وسيأتي في حرف الضاد‏.‏