المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبائل البوزو: سادة السحر


باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-27-2015, 11:37 PM
قبائل البوزو: سادة السحر

تواصل (دبي الثقافية) سلسلة تحقيقاتها عن قبائل الغرب الإفريقي، في منطقة ماندينغ، وبعد التحقيق الذي قدمته عن قبائل الدوغنا، تقدم في هذا العدد تحقيقاً عن حياة وعادات ومعتقدات قبائل أخرى عرفت باسم (البوزو).
تطلق على قبائل البوزو ألقاب كثيرة، منها (سادة المياه) و(بدو الأنهار والبحيرات).
يعيشون دائماً على ضفاف الأنهار وشواطئ البحيرات والمحيطات وينتقلون من نهر لاَخر حسب المواسم.
تنتمي قبائل البوزو إلى مجموعة القبائل التي تؤلف مجتمع ماندينغ في غربي إفريقيا، وهي من القبائل العريقة. وتشير بحوث أثرية إلى وجود هذه القبائل منذ العصر الحجري الحديث، أي منذ 6 اَلاف سنة! وأكبر دليل على ذلك هو اكتشاف رسومات صخرية تمثل هذه القبائل في أثناء ممارسة أعضائها لأنشطتهم اليومية على جدران أحد الكهوف الواسعة والواقعة شمالي تنسلي نجار بالقرب من الحدود المالية الجزائرية.
وتقول نفس المصادر إن منطقة الصحراء كانت تحوي عدداً كبيراً من البحيرات والمجاري المائية.
سادة المياه كانت قبائل البوزو من العناصر الفعالة في بناء وتطور إمبراطورية غانا، وهي أول إمبراطورية للسود خلال القرن السابع الميلادي. وبعد سقوط هذه الإمبراطورية وإقامة إمبراطورية ماندينغ (مالي) تخصصت قبائل البوزو في شؤون الماء وما يرتبط به من أنشطة، وما في باطن البحار والأنهار العظيمة من منتجات. وقد أطلق عليهم منذ تلك الفترة ب (سادة المياه)، (جي تيغي / TiguiDji )، حيث يتمثل نطاق نشاطاتهم إجمالاً في الصيد البحري والنهري والغوص بحثاً عن الأحجار الكريمة في بعض الدول الإفريقية، كما يقومون ببناء المراكب والقوارب والسفن البسيطة، ويتراوح متوسط طول القوارب مابين 6 إلى 10 أمتار، بينما تكون السفن من 20 إلى 40 متراً وأكثر، وتحمل ما يزيد على 40 طناً من البضائع مع الركاب. وتمثل المياه بالنسبة إليهم ما تمثله الواحات بالنسبة إلى البدو الرحل، ولذا فقد أطلق عليهم (بدو الأنهار والبحيرات); فهم ينتقلون من نهر لاَخر، ويغيرون مناطق إقامتهم على الضفاف والشواطئ الإفريقية، وفق المواسم وكثرة المنتجات البحرية، فمنهم من يصطاد الأسماك والتماسيح وأفراس البحر، ومنهم من يشتغل فقط في نقل البضائع والأفراد بوساطة المراكب، وأيضاً البحث عن الرمال في جوف الأنهار. وفى مناطق السنغاي الممتدة من (غاوة) حتى الناحية الجنوبية من النيجر في حدودها مع دولتي بنين وتوغو، يطلق عليهم (السوركو) ولهم نفس العادات والتقاليد تقريباً.

أصل قبائل البوزو تؤكد مصادر كثيرة أن قبائل البوزو فرع من قبائل الماركا المعروفة في الكتب التاريخية العربية ب (السونيكي أو الساراكولي) وأنه بعد انهيار إمبراطورية غانا على يد الزناقة وتخريب الإمبراطورية وتحطيمها، تشردت قبائل (السونيكي) فمنهم من فضل مواصلة التجارة وهي المهنة الرئيسة لهذه القبيلة على الأرض اليابسة، ومنهم من فضل التجارة باستخدام المراكب والسفن فأطلق عليهم البوزو. وليس هناك أي شك في أن هاتين القبيلتين، أي السونيكي والبوزو من عائلة واحدة قدمت من إمبراطورية غانا، حيث إن معظم الكلمات التي تتداولها القبيلتان متشابهة، أما الأعداد فهي متطابقة تماماً اعتباراً من العدد واحد. ويضاف إلى هذا أن أبناء قبائل الماركا (سونيكي) و(البوزو) ليس لهم ديانة أخرى غير الإسلام منذ خروجهم من إمبراطورية غانا وصعودهم شمالاً إلى مناطق مالي وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا وغيرها من الدول المجاورة لجمهورية مالي الحالية. وقد حافظوا على دينهم الإسلامي حتى وإن كانت هناك بقايا ممارسات نابعة عن التقاليد البالية. ومنها تقديم قرابين للمياه كالحليب أو ذبائح من الدواب عند ضفاف النهر. وقد اندثرت هذه العادات وصارت تمارس في أضيق نطاق.

و بعد وصولهم إلى مالي صعوداً مع نهر النيجر، أقاموا عدة مدن ومنها موبتي وجني، كما ساهموا مع قبائل السمونو والبانمبرا في إنشاء مدينة سيقو التاريخية وأيضاً مدينة باماكو. وإذا كانت قبائل الماركا تُعْنى فقط بالتجارة في إفريقيا وخارجها، فإن قبائل البوزو تُعْنى بمصادر المياه أينما كانت، فهي تحتل كامل ضفاف نهر النيجر من منبعه بمرتفعات (فوتا غالون) في غينيا كوناكري إلى مصبه في خليج نيجيريا الفيدرالية، وقد وصلوا إلى بحيرات شرقي إفريقيا وأنهار وسط إفريقيا والكونغو، وهم على نهر السنغال والمانو وأنهار فولتا الأسود والأحمر والأبيض في بوركينا فاسو، وبحيرات كاسو، وتابو، ولوزوا في ساحل العاج (وفي هذا البلد المجاور تعرضوا لاعتداءات كثيرة من طرف أعوان الحكومة، نتيجة لخبرتهم المتفوقة في الصيد على مواطني البلد المضيف، وقد سقط منهم ضحايا كُثر بالرصاص على يد رجال الأمن العاجيين الذين هاجموا مخيماتهم).
طريقة حياتهم أغلبية قبائل البوزو لا تزال حتى هذا اليوم تعيش حياة البداوة، ينتقلون حسب المواسم من ضفة إلى أخرى، وأيضاً حسب منسوب المياه وتوافر الصيد، وهم يعيشون في مجتمعات معزولة عن المدن عادة عند الضفاف، حيث يبنون بيوتهم من الطين وتسقف بالعشب الجاف. وفي كل منطقة صيد يوجد زعيم يشرف على التوجيه والإرشاد. وليس هناك طبقية في مجتمعات البوزو منذ أن دخلوا الإسلام، فالمجتمع لم يعد مقسماً إلى نبلاء وغير نبلاء، والزعامة تتم بناء على الثقة وحصافة الرأي والأمانة.
أساطير وعلوم سرية يشهد كافة سكان ماندينغ بمعرفة البوزو الخارقة للعادة في مجال العلوم الطبيعية، ومعرفتهم حركة الرياح وهجرة الطيور، وتشكل الغيوم وما تحمل من أخبار عن الأمطار والعواصف. وعلى الرغم من أن غالبيتهم لم يدرسوا العلوم الحديثة، فإن شيوخهم ذوو خبرة واسعة وفريدة في هجرة وانتقال الأسماك والتماسيح وأفراس البحر، وهم في الغالب يستقرئون حافات المياه، وجدران الأنهار والمحيطات، كما يقولون، (ويقصدون بالجدران الطبقات الأرضية المتراصة من أعلى لأسفل النهر وما يحمله النهر من شوائب من فترة لأخرى ).
فقد ينظر الشيخ عند الباكورة إلى سفح الماء ويشير إلى الشباب بأن الأسماك قد رحلت من المنطقة إلى المنطقة الفلانية، فينتقلون مباشرة إلى المنطقة المحددة فيجدون كفايتهم من الصيد دون أدنى جهد. وإذا أتيحت الفرصة للزائر إلى مناطق البوزو في كل من مناطق موبتي وجني وجا وكونا وغيرها، فإنه يستغرب من أعداد الأجانب الذين يقدمون إلى هذه القرى بحثاً عن حلول لمشكلاتهم المالية والاجتماعية والأسرية; فشيوخ البوزو متخصصون، كما هو متفق عليه في ماندينغ، في العلوم والأسرار، ويمزجون معارفهم بمعارف أخرى موروثة عن الأجداد، فهم يداوون الأمراض ، كما يقرؤون المستقبل. والعجيب أن عالم الأسرار قد لا يفقه شيئاً من اللغة العربية الفصحى، ولكنه يستطيع تلبية حاجات الناس بوساطة حروف أو أعداد معينة يركبها وينشرها ثم يفكها بطريقة غريبة. ومن أغرب ما علمت أن أحد علماء البوزو كان يخرج كل عام في فترة معينة من السنة، فيرافقه قومه إلى ضفة النهر، فيدخل النهر وهم ينظرون إليه إلى أن يختفي، فيظلون على الضفاف يدعون باسمه ويأكلون ويشربون مدة أسبوع كامل. وفي اليوم السابع ينتظرون عودته، وبالفعل فإنه يخرج من الماء كما دخل، فيرافقونه إلى قريته، فيحدثهم عن أخبار العام كاملاً وبكل التفاصيل، ويأمر بالقرابين والذبائح المطلوبة، ومنهم من يمتلكون الجان والعفاريت. والغريب أن شباب البوزو وهم ينصبون شباك الصيد في قاع البحار والأنهار لا يستخدمون الأقنعة الأوكسجينية على الرغم من طول بقائهم تحت الماء! عادات وتقاليد كانت قبائل البوزو وأيضاً (السونيكي) من القبائل الوثنية في عهد إمبراطورية غانا، ولكن بعد سقوط هذه الإمبراطورية، دخلت قبائل الماركا (سونيكي) والبوزو دين الإسلام الحنيف جميعاً دون استثناء، ومن النادر جداً، إن لم أقل من الغريب، أن تجد واحداً من أعضاء هذه القبيلة اليوم يدين بغير الإسلام. وقد رفضوا المدرسة الفرنسية وأعمال التنصير التي مورست في مناطقهم بشتى الطرق والوسائط، وظلوا حتى هذا اليوم متمسكين بالدين الإسلامي. وحسب اَراء بعض المسؤولين من قبائل البوزو، فإن رفضهم للغة المستعمر كان سبباً رئيساً في تهميش القبيلة أيام الاستعمار الفرنسي الذي عجز عن تغيير دين فرد واحد منهم لحساب المسيحية، ولا تزال القبيلة محافظة على عاداتها من عفة وكرامة وشرف.
وفى هذا الإطار قال لي أحد شيوخ العرب من تمبكتو، وهو من كبار العلماء والمدافعين عن التراث الثقافي الإسلامي الشيخ مولاي حيدرا، سبق أن تولى منصب قنصل فخري لجمهورية مالي في النيجر: (إن أجدادي كانوا يوصوننا في حالة الزواج من السود أن نتزوج من قبيلة البوزو لعفة نسائها وحسن تربيتهن). ولا تزال قبائل البوزو محافظة على عاداتها وتقاليدها. وإن قلة منهم درسوا الفرنسية لمصلحتهم الخاصة، أو للحصول على مناصب عليا في الإدارة المركزية. فأولاد البوزو يدرسون في الكتاتيب القراَنية وفي الزوايا، وذلك على الرغم من جهود الحكومات المتعاقبة. بل إن هناك حملات تبشيرية مكثفة في مناطق البوزو بين موبتي وجني لتنصيرهم، ولكن دون جدوى، ويكفى فتح بعض المواقع الإلكترونية التبشيرية للاطلاع على الجهود التي تبذلها الجمعيات التبشيرية لاستمالة وترغيب أبناء هذه القبيلة في الإقبال على الدين المسيحي. وقبيلة البوزو من القبائل المسالمة وتنبذ العنف بكل أشكاله نظراً لقلة تعدادها. وكما رأينا فإن دينهم هو الإسلام وكتابهم القراَن الكريم، وقد اشتهروا عبر القرون بتفوقهم في علوم السحر ولا يزالون رواداً في هذا المجال في غربي القارة الإفريقية، وهي علوم طوروها بطريقتهم الخاصة، فتراكمت لديهم معارف شتى ومتنوعة مرتبطة فقط بأحرف القراَن الكريم وفوائدها.

رموزهم أولاً : الثور: يعدّ الثور الحيوان الطوطم لفرع من قبائل البوزو وهم لا يقدسون هذا الحيوان كما هو الحال في الهندوسية، بل كرمز للبيئة التي توفّر لهم الحياة والاستمرار، فهم يرون من خلال جسد الثور بحيرة متموجة، ومن خلال قرنيه مركباً للصيد يحمله الثور ويحافظ عليه عالياً ويقاوم الأعداء بهما وغالباً ما ينتصر.

ثانياً: الصقر: الصقر من الطيور المحبوبة لدى قبائل البوزو، وهم يبجّلونه لإيمانهم بأن الصقر كان منقذاً لأسلافهم، وأنه حملهم عندما اشتد وطيس الحرب، من إمبراطورية غانا وأنزلهم على ضفاف النهر! . . لكن الدراسات السوسيولوجية تشير إلى أن العلاقة القائمة بين قبائل البوزو والصقر هي علاقة نفعية فقط; حيث يعدّ الصقر الصياد مرشداً ذكياً إلى مناطق الصيد، ورفيق عمل، وهم لا يقتلون الصقر.

النظام الاجتماعي لا يوجد سلم اجتماعي معين بين الطبقات، ولكنّ هناك سلماً سلطوياً فقط بموافقة أعضاء المجتمع (البوزوي); فالجميع سواسية، وليس هناك طبقة من النبلاء وأخرى من العبيد والسخرة، كما هو الحال في الكثير من القبائل الإفريقية. وقد عملت هذه القبيلة طوال وجودها على افتداء أي فرد من أفرادها كيلا يسقط ضحية لأي نوع من أنواع العبودية وتخليصه بكل الوسائل عبر التاريخ الدامي للقارة الإفريقية.