المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سحر الإكسير ،، في العودة للشباب .


الشيخ طاووس اسطوره الاساطير
11-28-2015, 07:27 PM
سحر الإكسير ،، في العودة للشباب .

الاكسير وسر الشباب بالإضافة لأسرار غريبة وعجيبة قرأتها عنه .


فهل هو سر من أسرار الطبيعة .



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

يعتبر الإكسير أو حجر الفلاسفة من أكثر المفاهيم حضورا في صناعة الخيمياء حتى بات مقترنا بها، فيقال إن الخيمياء هي صناعة تحضير الإكسير أو حجر الفلاسفة، حيث إن هناك من عرف الخيمياء أو علم الصنعة كالتالي: " وحد علم الصنعة أنه العلم بالإكسير"(1) . وليس يخفى ما لهذه الكلمة من مفعول سحري، حيث ألهمت الخيال الإنساني مند القديم وحتى يومنا هذا، وذلك إما على شكل أساطير أو في صورة إبداعات فنية وأدبية(2) . لقد كان الإكسير بمثابة حلم رافق البشرية منذ وعيها، بأن لا تستسلم لقدرها وأن تسعى لقهر أكبر أعدائها: الموت و الشيخوخة والمرض والفقر.



إذن فللنظر في أصل هذه الكلمة الجذابة؟ ولنبين مختلف تجلياتها في الفكر الخيميائي ؟
إذا ما رمنا التأصيل لكلمة إكسير والبحث في منشأها، فإننا نجد تباينا في الآراء والمواقف، فالبعض يعود بها إلى قدماء اليونان، حيث كان لمعناها علاقة بالفعل استخرج. بينما يعود بها البعض الآخر إلى اللاتينية ويربطها بفعل اختار(3)، كما أن هناك من جعل أصل الكلمة عربيا بمعنى كسر يكسر تكسيرا وذلك هو رأي جابر بن حيان، حيث نجد: " وقيل للإكسير إكسيرا لكسره قوة الجسد الذي يلقى عليه وإحالته إياه إلى طبيعته (=طبيعة الإكسير) وقيل إكسير لأنه ينكسر ويتفتت وقيل إكسير لشرفه وفضله"(4). ثم صار الاسم متداولا في المجال الطبي حيث كان يقصد به عقار مجفف يوضع على الجروح، وأيضا كان يعني مسحوقا لعلاج أمراض العيون كما كان الشأن عند يوحنا بن ماسويه في كتابه "دغل العين" حيث ذكر ستة أكاسير لعلاج أمراض العيون(5) .

ومهما يكن من أمر الأصل الذي انحدرت منه كلمة إكسير ومن المعنى الذي كانت تعنيه في البداية، فإن معناها في اصطلاح الخيميائيين أصبح مرادفا لحجر الفلاسفة ويعني تلك المادة القمينة بتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة، أي تحويل معادن كالحديد والنحاس إلى ذهب وفضة، فهو بذلك مادة تؤدي مباشرة إلى الاغتناء دون مشقة وعناء، أي بدون الطرق المألوفة للمعاش. لكن هذه المزية لم تكن وحدها الخاصة بالإكسير، بل كانت له أيضا مزية الشفاء من كل الأمراض و إطالة الحياة أكثر من مداها المعهود(6). ومن هنا كان الإكسير أو حجر الفلاسفة بمثابة المفهوم الأكثر استجابة للإستهامات والأحلام البشرية؛ حيث يعمل عل تحقيق ثروة واسعة والعيش حياة طويلة والاستمتاع بصحة جيدة.

ومن جملة ما يروى في الثقافة العربية عن الثراء المتحصل بواسطة الإكسير نستحضر رواية للخيميائي "عز الدين أيدمر الجلدكي" التي ذكر فيها أنه بفضل جابر بن حيان وبفضل حصوله على الإكسير تحققت الثروة والجاه لبني العباس ولوزرائهم من البرامكة، حيث يقول: " وبالجملة إن مكارم بني برمك لم تكن إلا من هذه الصناعة لا من أموال الدولة ولم يكن لأبي العباس هذا البذخ العظيم إلا من هذه الصناعة وكذلك أول دولة الفاطمية بمصر والغرب لم يتم لهم ما تم من الملك والقوة إلا بهذه الصناعة. وكذلك كثير من الملوك المتقدمين قديما وحديثا" (7) بل هناك من كان يعتقد أن قارون قد حقق ما حقق من الثروة بفعل الخيمياء.

ونجد عند الخيميائيين أن الإكسير هو ثمرة العمل الخيميائي، و لا يمكن الحصول عليه إلا وفق شروط خاصة جدا وبعد مجهودات شاقة، لذلك كان حرصهم كبيرا على أن لا يكشفوا طرق الحصول عليه إلا لمن هو أهل له.

وما نود أن نلفت إليه النظر هو أن الإكسير، وكما ترسخ عند الخيميائيين على اختلاف انتماءاتهم الحضارية وطيلة تاريخ الخيمياء المعلوم، عبارة عن مادة قد تكون صلبة أو سائلة، والوصول إليها يكون عموما بطرق معقدة ومختلفة؛ فهناك مثلا الطريقة الرطبة وهناك الطريقة اليابسة، فالطريقة اليابسة تعتمد على ما يسمى التكليس، وهي التي يكون فيها الإكسير عبارة عن مسحوق أبيض أو أحمر يلقى على المعادن الرخيصة فيحولها إلى معادن نفيسة؛ فالأبيض يصِّير المعادن الملقى عليها فضة بينما يصِّيرها الأحمر ذهبا. وفي هذا المجال يقول جابر بن حيان في كتاب الحدود " وحد العلم بالإكسير الأحمر أنه العلم بما يصبغ الفضة ذهبا لما هو عليه وحد العلم بالإكسير الأبيض أنه العلم بما يصبغ النحاس أو الرصاص فضة لما هو عليه"(8) ؛ وأما الطريقة الرطبة فهي التي يكون فيها الإكسير عبارة عن دهن له خصائص تحويل المعادن الخسيسة وشفاء الأبدان العليلة.

وعموما إذا كان الإكسير أو حجر الفلاسفة عبارة عن مادة قد تكون مسحوقا أو دهنا بهدف تحويل المعادن أو شفاء الأمراض، فكيف هي هذه المادة وما هي مكونتها؟

في أحد الكتب القديمة، والتي ُيعتقد أنه الملهم للخميائيين العرب والمعنون "برسالة الكلمات الثلاث"، نجد فيه نعتا للخيمياء بأنها صناعة الصنائع وعلم العلوم، كما يوجد فيه وصف لخصائص الإكسير أو حجر الفلاسفة كالتالي: " يجمع حجر الفلاسفة في ذاته كل الألوان. فهو أبيض وأحمر وأصفر وأزرق و أخضر. وأكثر من هذا فهو يتضمن كل العناصر الأربعة؛ لأنه سائل، هوائي، ناري وترابي. وإن الحرارة واليبوسة هي ما يكون الخصائص الخفية لهذا الحجر؛ بينما البرودة والرطوبة تشكل خصائصه الظاهرة "(9).

ومن المعلوم أن أعمال الخيميائيين ومنذ القديم قد اتسمت بالغموض والإغراق في الرموز والألغاز، بحجة الخوف من ذيوع أسرارهم ووصولها إلى من لا يستحقها، وذلك بيّن من خلال كتاباتهم المليئة بالتعبيرات المجازية والرمزية حيث نجد أيضا دعوات متكررة لحفظ أسرارهم من الإفشاء و من الوصول إلى العامة مثل قول أرنولد دو فيلينوف(Villeneuve de Arnauld) "خبئ هذا الكتاب بصدرك ولا تضعه بين يدي الكافرين، لأنه يحتوي على سر أسرار كل الفلاسفة، فلا يجب أن تمنح هذه الجوهرة إلى الخنازير لأنها هبة من الله" (10). و لجابر بن حيان ما يشابه هذا القول في التشديد على صون الحكمة إلا على أصحابها الذين هم أهل لها حيث يقول: "لا تعلقوا جواهركم في أعناق خنازيركم ولا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم وهي أمانة في عنقك أن تطلع على سر كتابي هذا غيرك إلا من قام مقامك عند نفسك والله تعالى يوفقك ويسددك" (11). لقد كان الخيميائيون يعتقدون أن ذلك الترميز هو السبيل الأنجع لحماية أعمالهم من أن تتسرب إلى الجمهور، الذين لا يستحقونها فصون المعرفة المتعلقة بالإكسير ضروري وإلزامي ، لأنه بإفشاء تلك المعرفة يكون الفساد في الأرض.

وإذا عدنا إلى شيخ الخيميائيين العرب جابر بن حيان، فإننا نجده ينطلق في مسألة تدبير الإكسير من مقدمة مفادها أن الأجسام المادية جميعها واحدة في الأصل والاختلاف بينها راجع فقط إلى اختلاف نسب الطبائع التي تكونها. وواضح أن هذه الفكرة هي السند الذي تقوم عليه نظرية الموازين والتي تنتظم حولها الخيمياء الجابرية في عمومها. وبما أن المجال الأكثر ارتباطا بنظرية الإكسير عند جابر هو تحويل المعادن، فذلك ينقلنا بالضرورة إلى تصور جابر عن ماهية المعادن، حيث كان يعتقد أن المعادن تتكون في باطن الأرض بفضل مزيج متناسب من الكبريت والزئبق، وذلك بفعل تأثير الكواكب، حيث يقول: " الأجساد كلها في الجواهر زيبق انعقد بكبريت المعدن المرتفع إليه في بخار الأرض وإنما اختلفت لاختلاف أعراضها واختلاف أعراضها لاختلاف كباريتها واختلاف كباريتها لاختلاف تربها ومواضعها من حرارة الشمس الواصلة إليه عند تردده في دورها" (12).

نفهم من هذا التصور لبنية المعادن أن مهمة الخيميائي لن تكون، إن أراد تحويل المعادن، سوى أن يقوم بإبطان الظاهر وإظهار الباطن على هذا النحو الذي يوضحه جابر في حالة الحديد "وأما الحديد فأصله المتكون عنه الأربع طبائع وخص ظاهره من ذلك بالحرارة وكثرة اليبس، فباطنه إذا على الأصل بارد رطب وهو كذلك، وهو صلب الظاهر رخو الباطن، وما في الأجسام أصلب منه ظاهرا فكذلك رخاوة باطنه على قدر صلابة ظاهره على الأصل. وكذلك يكون بالتدبير إذا قلبت أعيانه، والذي على هذا المثال الزيبق فإن ظاهره حديد وباطنه زيبق. فالوجه في صلاحه أن تنقص يبوسته فإن رطوبته تظهر فيصير ذهبا لأن رطوبته إذا ظهرت بطنت يبوسته على المقدمة، أو فانقص حرارته فإن برودته تظهر وتبطن الحرارة بظهور البرودة فيصير فضة يابسة، أو فانقص يبوسته قليلا فإنه يصير فضة لينة. فهذا ما في الحديد من الوصف والحد"(13). لكن السؤال الذي يثار بعد إنعام النظر في هذا النص هو كيف يمكن إظهار الباطن وإبطان الظاهر؟

انطلاقا من الاعتقاد الذي بلوره جابر في نظرية الموازين، حيث إن كل الموجودات الطبيعية تتكون من العناصر الأربعة التي تتركب بدورها من الطبائع الأربع، فإن عملية التحويل ترتكز أساسا على تحليل الأجساد وردها إلى عناصرها الأربعة المكونة لها ( النار، الهواء، التراب، الماء). وبما أن هذه العناصر هي مركبات وليست بسائط ، حيث يقول جابر" فالنار من ذلك حرارة ويبوسة وجوهر لا غير، والهواء حرارة ورطوبة وجوهر لا غير، والأرض برودة ويبوسة وجوهر لا غير، الماء برودة ورطوبة وجوهر لا غير" (14). فيجب تحليل هذه العناصر وردها إلى البسائط المكونة لها ( البرودة، اليبوسة، الرطوبة، الحرارة)، أو لنقل عزل هذه البسائط من العناصر الأربعة واستخراجها منها وهذا لا يتم إلا بالتدبير، لأنه حسب جابر "تلك الأربعة( العناصر) موجودة في كل موجود في العالم تنفصل منه بالتدبير" (15). إذن فالحرارة عبارة عن نار بدون يبوسة واليبوسة عبارة عن تراب بدون برودة والبرودة عبارة عن ماء بدون رطوبة والرطوبة عبارة عن هواء بدون حرارة.

وهكذا يصف جابر التدبير على النحو التالي" اعمد إلى الماء القاطر أولا وهو بارد رطب فاستخرج برودته من رطوبته وانبذ رطوبته فإنه يبقى باردا بلا رطوبة. واعمد إلى الدهن (16) فانبذ حرارته فإنه يبقى رطبا، وإلى النار فانبذ يبوستها فإنها تبقى حارة، وإلى الأرض فانبذ برودتها فإنها تبقى يابسة" (17). إذن فالأساس في الإكسير الأعظم هو الحصول أولا على الطبائع وفرزها من العناصر الأربعة، ويقدم جابر وصفا لهذه الطبائع كالتالي؛ فالبرود عبارة عن قطع بيضاء كالملح، وتكون الرطوبة عبارة عن شيء لزج و متعلك أما الحرارة فهي عبارة عن جسم شفاف أحمر، بينما تكون اليبوسة شيء صلب وفي هذا الشأن يقول: " وأما ما ذكرت الفلاسفة من التدبير الأعظم الأول فإنهم قالوا: حدّ الماء أن تستخرج منه البرودة أن يقطر دائما حتى يبيض ويصفو، وإذا اُخرج من القرعة جمد قطعا كالملح فهو النهاية. وحدّ استخراج الرطوبة التقطير أيضا حتى يخرج منه شيء ملتصق متعلك جدا، فتلك العلكيّة هي الرطوبة المتقدم وصفها وليس تجمدا أبدا بل إن أصابها حر النار تحللت فصارت هواء ولكن في مدة طويلة. وأما حد الحرارة في التدبير أن يبلغ بها إلى أن تصير جسما شفافا له بريق أحمر شديد الحمرة صافيا كمد فهذا حد الحرارة. وحد اليبوسة أن تكون صلبة كمدة ناشفة أو هباء لا جزء له يقل بالجمع ويكثر بالتفريق"(18).

إذن فمن الأكاسير ما يكون من الطبائع ومنها ما يكون من العناصر الأربع لأن الإكسير عبارة عن تركيبة خاصة تكون فيها الطبائع أو العناصر على تناسب معين بإمكانه أن يمنح الاعتدال للمعادن المراد تحويلها. ويكون التحويل، حسب جابر، بتقوية الضعيف و إضعاف القوي وإصلاح الفاسد لأن "الأصول الأربعة هي العاملة في الأجسام من الأجناس الثلاثة وهي المؤثرة والمفيدة لصبغ: النار والماء والهواء والأرض. وإنا لا نرى فعلا لواحد من هذه الثلاثة أجناس إلا بتلك العناصر ولذلك معولنا في هذه الصناعة على تدبير هذه العناصر نقوي ضعيفها ونضعف قويها ونصلح فاسدها. فمن وصل إلى عمل هذه العناصر في هذه الثلاثة الأجناس فقد وصل إلى كل علم وأدرك علم الخليقة وصنعة الطبيعة، فلا يلحقك شك وإن طبع كل إكسير إنما هو منها وبها وإنما جعلنا في الإكسير طبعا غالبا للطبع المفسد" (19)؛ فالمعدن ذو الطبائع الزائدة على طبائع الذهب يتم تحويله بإنقاص ما زاد من طبائعه حتى يصبح مساويا للذهب. أما المعدن الذي تكون طبائعه دون طبائع الذهب فيتم تكميلها حتى تصير معادلة لطبائع الذهب. أما كيف تكون تركيبة الأكاسير، فذلك ما يحدده الميزان.



وإذا كان الخيميائيون القدماء قد دأبوا على تدبير الأكاسير من المعادن فقط (20)، فإن جابرا يوسع من إمكانات التدابير بحيث أضاف النبات والحيوان فصار بذلك عدد أنواع الأكاسير سبعة أنواع، فهناك ما يكون أساسه مواد معدنية و ما يكون أساسه مواد نباتية وما يكون أساسه مواد حيوانية وما يكون أساسه المعدني والنباتي، وما يجمع بين المعدني والحيواني ثم ما يكون نباتا و حيوانا وأيضا ما يكون معدنا ونباتا وحيوانا. وأرقى الأكاسير جميعها، الذي هو الإكسير الأعظم ، هو ما كان تدبيره من الحيوان، إلا أنه ليس أي حيوان، بل " ينبغي أن يكون من أشرف ما فيه الحرارة القوية. فنقول: الأسد و الأفعى...والثعلب وجميع هذه من الحيوان، وأشرفها الإنسان". وأيضا ليس أي إنسان، ولكن بالتحديد "ممن طبعه الصفراء، ولهم النحافة في الأبدان كالذين هم بناحية اليمامة والجزائر المالحة، وأهل الهند، خاصة بالبقعة التي يقال لها السند، وبالمغرب ودواخل مصر فإن جميع القبطيين فيهم النحافة"(21).

ويجب، في نظر جابر، الرجوع إلى أصول أكيدة واستيفاء كل أسباب الدقة، قصد الحصول على الإكسير الصحيح، فالصور المختلفة للأكاسير ليست سوى أمزجة تجانست قليلا أو كثيرا، من الطبائع الأربع ، أمزجة تتفق مع تركيب الأجسام التي ألقيت عليها. لذلك يقول:



وتلك الأربعة(= الطبائع) موجودة في كل موجود في العالم تنفصل منه بالتدبير" (22).

إذن فبعد تحديد المواد التي يكون منها تدبير الإكسير، يبين جابر كيفية التدبير؛ أي مجموع الخطوات التي يجب إتباعها والشروط التي لابد من مراعاتها في تحضير الأكاسير. وهكذا يرى أنه يجب على الخيميائي، بعد أن يحدد من أي الأجناس سيجني المادة التي يراد تدبيرها، أن يعرف زمن فعل ذلك، وفي هذا يقول: " ينبغي أن يجتنى بين الربيع والقيظ، وهو في آخر ربيع الآخر وأول القيظ، وهو في خمسة عشر من ربيع الآخر.


"وينبغي أن تجتنيه لأن الشمس تحل محل الحمل في سبعة عشر من ربيع الأول. فليجتنى من سبعة عشر من ربيع الأول إلى خمسة عشر من ربيع الآخر، فإنه أحكم ما يكون وأزكاه وأجوده في هذا الوقت إن شاء الله" (23). هنا يظهر حرص جابر على إبراز طبيعة العلم الخيميائي، باعتباره نظرة شاملة للعالم؛ فما يجري من تحولات في عالم ما تحت القمر وثيق الصلة بما يحصل في عالم ما فوق القمر. ولذلك وجب على الخيميائي أن يأخذ ذلك في اعتباره وأن يراعي في تدابيره حركة الأفلاك ومسارها وذلك لا يعلم إلا بفضل نظرية الموازين العلوية .
من أهم الفضائل التي تعزا للإكسير علاج جميع العلل و الأوصاب، وهذا ليس بدعا في تاريخ الخيمياء، فمن المعلوم أن من بين أهداف الخيميائي وأغراضه تحضير الأدوية وتركيب العقاقير، بل لقد ذهب بعضهم إلى تحضير محلول الذهب وزعمهم أن شربه يعيد التوازن إلى الأجسام ويشفيها من الأمراض و يبعد عنها الشيخوخة(24).
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نعم، فجابر يعني بالإكسير سم السموم الذي يشفي كل الأمراض، وقد صرح أنه خلص به كثيرا من الناس يربون عن الألف، كما يحكي عن بعض الحالات التي عالج فيه مجموعة من الأشخاص، فعن إحدى الحالات يقول: " ولقد كنت يوما من الأيام بعد ظهور أمري بهذه العلوم وبخدمة سيدي عند يحيى بن خالد وكانت له جارية نفيسة لم يكن لأحد مثلها جمالا وكمالا وأدبا وعقلا وصنائع توصف بها. وكانت قد شربت دواء مسهلا لعلة كانت بها فعنف عليها بالقيام ثم زاد عليها إلى أن قامت ما لم يكن من سبيل مثلها الخلاص منه ولا شفاء له، ثم ذرعها مع ذلك القيء حتى لم تقدر على النفس ولا الكلام البتة. فخرج الصارخ إلى يحيى بذلك فقال لي: يا سيدي ما عندك في ذلك؟ ...وكان معي من هذا الإكسير شيء فسقيتها


.. مقدار ثلاث أواق. فو الله وحق سيدي لقد سترت وجهي عن هذه الجارية لأنها عادت إلى أكمل ما كانت عليه في أقل من نصف ساعة زمانية"(25) . ثم يقول عن حالة أخرى: أن شخصا كان" قد انتفخ جانبه الأيمن كله واخضر .... فسألت عن حاله فقيل لي افعى نهشته الساعة فأصابه هذا. فسقيته وزن حبتين بشدة في سقيه بماء بارد فقط لأني خفت أن يتلف سريعا. فو الله العظيم لقد رأيت لونه الأخضر والأزرق وقد حالا عما كانا عليه إلى لون بدنه. تم ضمرت تلك النفخة حتى لم يبق مها شيء البتة، وتكلم وقام وانصرف سالما لا علة به"(26) .




نلاحظ من خلال علاج هذه الحالات المذكورة أن الإكسير هو بمثابة ترياق ضد السموم، ففي الحالة الأولى استعمل ضد تسمم ناتج عن تناول الزرنيخ وفي الحالة الثانية استخدم ضد التسمم الناتج عن نهش حية. إذن فمهمة الإكسير هي إصلاح ما تم إفساده إما بفعل الزمان أو بفعل السموم، لذلك سماه جابر سم السموم، حيث يقول: " والإكسير دواء نافع من جميع الأوصاب، وهو سم السموم، ومعنى سم أنه كذلك. يقال في الدواء البليغ كالترياق سم، وكل دواء شاف لوصب من الأوصاب فهو سم ذلك الوصب"(27).

إن الإكسير بهذا المعنى يشكل ثمرة العمل الخيميائي وذروة كده واجتهاده، فهو من جهة ينجز في لحظة وجيزة ما يتطلب وقتا طويلا من التدابير وإجراء الكثير من العمليات، كالتعفين والتقطير والتصعيد والتكليس...الخ، حيث بواسطته ينقلب المعدن الخسيس الى معدن نفيس، فهو هنا علاج للمعادن العليلة والتي كانت في الأصل نفيسة فأصابها التلف بحكم فعل الزمن، فكان فعل الإكسير فيها علاجها بإعادة الاعتدال المفقود إليها، بإنقاص الطبائع الزائدة وزيادة الأخرى الناقصة. وهذا الأمر يسري أيضا على كل الأجسام العليلة، حيث إذا ما اختل توازن جسم ما كيف ما كان السبب، سواء بفعل الزمن كما هو في جميع الحالات أو بفعل طارئ كتناول بعض المواد السامة التي تحدث في الأجسام تلفا كما رأينا مع الحالات التي سردها علينا جابر.
يظهر أن الإكسير كمفهوم خيميائي كان يجسد أحلام الإنسان وطموحاته في قهر أعدائه الكبار: الفقر والمرض والشيخوخة والموت، ويمكن القول أن الإيمان بوجود هذا العقار الخارق والعجيب وبإمكانية التوصل إليه، يعكس جرأة الإنسان في عدم الاستسلام إلى قدره، وسعيه إلى خلق قدر آخر لا بؤس فيه ولا شقاء. صحيح أننا ندرك اليوم أن الإكسير كان مجرد وهم، لكن ألم ترافق مطالب هذا الوهم الإنسان منذ وجوده واندهاشه من هذا الوجود، وستبقى ملازمة له ؟ فلنتأمل الأبحاث الطبية اليوم، أولا تسعى إلى تحقيق بعض ما كان يُعتقد أن الإكسير يحققه؟