المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النسبه المقدسه


باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-28-2015, 08:02 PM
فاى
قال عنها كبلر: هي أحد أعظم كنزين أهدتهما الهندسة للبشرية ولكن ما هي النسبة المقدسة..؟ النسبة المقدسة ، النجمة المقدسة ، المستطيل المقدس ، المثلث المقدس ، اللولب المقدس لقد كانت هذه رموز مقدسة عند اليونان النسبة المقدسة : إنها طوبة الخفاء المبهم التي شيد بها صرح الكون الأعظم ! إنها قيثارة العدم التي ضربت على أوتارها سمفونية الوجود! إنها المفتاح الذهبي التي فتحت به قلاع المعرفة !
أعطاها اليونان الرمز فاي ، وهي تساوي = 1.618033988749894848204586834365638117720309179805 أي تقريبا = 1.6 [ ملحوظة : فاي أيضاً تستخدم في الرياضيات للدلالة على القيمة الفارغة وهذا موضوع آخر] وقد أبدع الكاتب دان براون في وصفها في روايته الشهيرة "شيفرة دافنتشي" حيث أنها كانت المفتاح الذي قاد لانغدون وصوفيا لمعرفة رقم الحساب السري وقد كان من كبار المغرمين بحقيقة هذه النسبة فيثاغورس وليوناردو دافنتشي وقد عبر عنها دافنتشي في كثير من أعماله الفنية العظيمة مثل "موناليزا" و "العشاء الأخير" حسناً : قبل البدء في الخوض في بحرها الزاخر بالألغاز والأعاجيب سأنوه إلى ما يعرف بمتتابعة فيبوناتشي وهي : 1 1 2 3 5 8 13 21 34 55 89 144 ... نلاحظ العلاقة التالية : كل عدد يساوي مجموع العددين الذين يسبقاه 2 = 1+1 و 3=2+1 و 5=3+2 ...... 55 = 34+21 وهكذا إلى ما لا نهاية إذا جربت أن تقسم أي عدد على الذي يسبقه فستكون النتيجة التقريبية هي 1.6 لكن النسبة هذه لا تعبر في الحقيقة عن قسمة أي عددين ضمن هذه المتتابعة فحسب بل هي في حقيقتها تعبر عن مآل هذه النسبة كلما ارتقينا في الأعداد 1÷1=1 و 2÷1=2 و 3÷2=1.5 و 5÷3=1.67 و 8÷5=1.6 نلاحظ أن النسبة تتذبذب بين أعلى وأخفض وبين أكثر وأقل ... حتى تؤول في النهاية إلى 1.618033988 فلو أخذنا عددين كبيرين في هذه المتتابعة مثل 89÷55 = 1.61818 فسنجد أن النتيجة تقترب وتؤول إلى القيمة المقدسة ... وأريد التنوية إلى مصطلح المستطيل المقدس: المستطيل المقدس : وهو مستطيل النسبة بين طوله وعرضه = النسبة المقدسة وما هي هذه النسبة التي ما تركت وصفاً من الحسن إلا قلدته إياها ... وما تركت بستاناً إلا قطفت لها زهرة منه؟؟؟ إنها موجودة فيك أنت !!! كيف ؟؟ قس المسافة بين كتفك وأطراف أصابعك واقسمها على المسافة بين مرفقك وأطراف أصابعك كم النسبة ؟؟؟ أليست أحد نسب متتابعة فيبوناتشي ... 1.6 قس المسافة بين مرفقك وأطراف أصابعك واقسمها على المسافة بين رسغك وأطراف أصابعك كم النسبة ؟؟؟ أليست أحد نسب متتابعة فيبوناتشي ... 1.6 قس أطوال العظام الأربع لأي إصبع من أصابعك ... واحسب النسب بينها بنفس الطريقة ستجد أن الإجابة دائماً هي 1.6 !!! قس المسافة بين فخذك والأرض واقسمها على المسافة التي بين ركبتك والأرض ... كم النسبة ... 1.6 !؟!؟! قس المسافة بين رأسك والأرض واقسمها على المسافة بين سرتك والأرض ... كم النسبة ... 1.6 !؟!؟! إنها دائماً فاي ... 1.6 !!! ليس ذلك فحسب ... يمكنك أن تجدها في عظامك ... عضلاتك ... أحشائك ... بل حتى ضربات قلبك !!! ليست في الإنسان فحسب ... بل يمكنك رؤيتها في الحيوانات ... في الطيور ... في الأشجار ... في الأزهار ... في الحشرات ... في الميكروبات ... في الأحماض النووية بل حتى في الكواكب ... في النجوم ... في المجرات ... في الكون ... وفوق ذلك ... في الموسيقى ... الشعر ... الألوان ... الفن ... وأزيدك من الشعر بيتاً ... في البطائق الإئتمانية و Credit Cards !!! نعم ... أخرج بطاقتك Credit Cards واقسم طولها على عرضها ... = 1.599999 إنها مستطيل مقدس !!! أينما تذهب بعينك وعقلك ... 1.618033988 مستعدة للترحيب بك لقد أدرك اليونان هذه الحقيقة ، وجعلوا منها رمزاً للجمال المقدس ، اعتقاداً منهم بأن الله قد اصطفاها من بين سائر القيم لتكون معياراً ذهبياً يقوم عليه معمار هذا الوجود من الذرة إلى المجرة ... فليس صعباً أن تراها في معمارهم ... في بيوتهم ... أعمدتهم ... معابدهم ... تماثيلهم ... رسوماتهم ... نوافذهم ... أبوابهم .... إلخ حتى الفراعنة ... يمكنك أن تجدها في أهراماتهم ... معابدهم ... تماثيلهم ... إلخ بل حتى يمكنك أن تجدها في لوحة الموناليزا لدافنتشي ... بل وفي سيمفونية بيتهوفن الخامسة ... وحتى يمكنك إيجادها في كثير من المباني الحديثة وعلى رأسها مبنى الأمم المتحدة ... ستجد أن الثلاثة مستطيلات التي تشكل واجهة مبني الأمم المتحدة كلها مستطيلات مقدسة !!! ولقد اختار اليونان النجمة الخماسية لتكون رمزاً حاملاً لمعنى هذه النسبة المقدسة فالتناسب بين أضلاعها كلها قائم على هذه النسبة وعلى متتابعة فيبوناتشي إن الكلام عن هذه النسبة يطول إلى ما لا نهاية.

النسبة الذهبيــه عبر بعض العصــور (هندسة العمارة):
الحضارة الفرعونية :-

هناك من ينسب أول معرفة للنسبة الذهبية النسبة الذهبية للعصر الفرعوني ويدللون بذلك علي استخدام الفراعنة لها في الأهرامات , وبالأخص الهرم الأكبـر:
حيث أظهرت الدراسات الحديثة التي أجراها العلماء أن الهرم الأكبر خوفـو يخضع لقوانين النسبة الذهبية، حيث إن النسبة بين المسافة من قمة الهرم إلى منتصف أحد أضلاع وجه الهرم، وبين المسافة من نفس النقطة حتى مركز قاعدة الهرم مربعة تساوي النسبة الذهبية.
ويشير هيرودوت إلى التناسبات القائمة في الهرم بقوله: “لقد أعلمني الكهنة المصريون أن التناسبات المُقامة في الهرم الأكبر بين جانب القاعدة والارتفاع كانت تسمح بأن يكون المربع المُنشأ على الارتفاع يساوي بالضبط مساحة كل من وجوه الهرم المثلثة” , ويشار أيضـأ إلى أن غرفة الملك في هرم خوفـو تحقق النسبة الذهبية .
الحضارة اليونانية :-

ظهرت أيضا في الحضارة اليونانية القديمة عن طريق إحدى نظريات إقليدس حين طرح فكرة تقسيم قطعة مستقيم إلى قسمين بحيث AC/CB =AB/AC , ومع الرياضي اليوناني فيثاغورس حيث أجرى الدراسات والأبحاث في علوم الطبيعة لدراسة معايير الجمال وعلاقات النسب في الطبيعة، وتوصل إلى ما يعرف بالمستطيل الذهبي:
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

أظهرت الدراسات المعمارية الحديثة أن هيكل البارثينون – أكروبوليس أثينـا يخضع لهذه النسبة حيث وجد اليونانيون القدماء ان هذه النسبة مريحة بصرياً ومن أهم معايير الجمال في الطبيعة، ولذا فقد طبقوا هذا المستطيل الذهبي في عمائرهم.

الحضارة الإسلاميــة :-

جمال العمارة الإسلاميـة المبهر وتفاصيلها الدقيقة كان لابد أن تقرن في بعض منها بأداة ومقياس الجمال النسبة الذهبية، فنري العمارة الإسلامية مقترنة بالنسبة الذهبية في عدة أمثله:
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

جامع القيروان الكبير ( مسجد عقبة بن نافع) تونس : الذي تتواجد النسبة الذهبية في تصميمه متناسقة بين معظم أرجائه من المساحة الكلية، إلى مساحة فناء المسجد حتى التناسب الواضح في مناراته .
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

العصر الحديـث :-

يشتهر المعماري المعروف لي كوربوزيه و ماريو بوتا بتوظيفهما هذه النسبة الساحرة في كثير من أعمالهما، وتتواجد النسبة الذهبية في الكثير من المعالم حديثة النشـأه ومن أهمها مبني الأمم المتحدة وتظهر النسبة الذهبية فيه عند مقارنة عرض المبني إلى الارتفاع لكل عشر طوابق فيه.
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


النسبة الذهبية في الفنون :-
فن الرسـم :
قام بعض مشاهير الرسم بمراعاة النسبة الذهبية في أعمالهم وهناك أمثله علي ذلك قام ليوناردو دافينشي بمراعاة تلك النسبة في لوحتــه الشهيرة الموناليزا وقد كان من المهتمين كثيرا بالنسبة الذهبية .
وأيضا في لوحة العشاء الأخيـر بها نفس التناسق الرائع للنسبة الذهبية.
وأيضا كان الفنان لاورانس ألما-تاديما مهووس بتلك النسبة ووظفها بشكل متكامل في لوحتــه (The Roses of Heliogabalus) وفي الرسم المعاصر، اشتهر الرسام (سيلفادور دالي) باستخدام النسبة الذهبية وبالاخص في لوحته (The Sacrament of the Last Supper)التي تحوي عدداً من الاستخدامات لها.
إلى جانبه يأتي “موندرين” ، فنراها في رسوماته مثل “Broadway Boogie Woogie” و الـ “Comp RYB.

فن التصويـر الفوتوغرافي :
يعتمد التصوير الفوتوغرافي في المقام الأول علي حس الخيال الواسـع والتذوق الفنـي , وإن تم تطبيق النسبة الذهبية فيه فسيعطي انطباعات خيالية وسيعبر بشكل كبير عن أحاسيس الصورة.
وهناك عدة أساليب لتطبيق النسبة الذهبية في الصور .
1- قاعدة الأثلاث الذهبيـة , وتم التركيز علي الطائر بوضعه علي أحد التقاطعات
1- الأثلاث الذهبية – مشابهة لقاعدة الأثلاث الشهيرة ولكن الأبعاد ليست متساوية تماماً بل هي على قدر (1:618:1). وعلى هذا التقسيم يتم تحديد موضع الجسم المراد تصويره. بحيث يكون العنصر الأهم موجوداً بالضبط على أحد تقاطعات الخطوط الأربعة.
2- المثلثات الذهبية للخطوط المائلة
2- المثلثات الذهبية – ملائمة أكثر للصور ذات الخطوط المائلة. هنالك مثلثات ثابتة وعليه يضع المصور أجسامه بشكل تقريبي بمحاذاة تلك المثلثات والخطوط الذهبية.
3-الالتواء الذهبي يقود العين نحو المركز
3- الالتواء الذهبي – يجب أن يكون هنالك شيء ما في الصورة يتبع هذا الالتواء الذهبي ويقود العين نحو المركز



إن الحواس لتُسَرُّ من الأشياء المتناسبة.
توما الأكويني

بهذه العبارة البسيطة عبَّر توما الأكويني عن إحساس الإنسان بالعلاقة القائمة بين الرياضيات والطبيعة والجمال. وقبله قال الفيثاغوريون إن "كلَّ شيء مرتَّب وفق العدد". ومفهوم التناسب في الفيثاغورية مشتق من مفهوم النظام في تعريفه الرقمي. وهكذا فإن جوهر الحقيقة الفيزيائية مرتبط بالعدد، والجمال قائم على ركائز حسابية.

ويدرك العلماء اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى، أن كلَّ شيء في الطبيعة خاضع لقوانين التناسق. كذا فإن الإنسان يشعر أن الجمال يرتكز على قوانين التناسُب، ويحدس أن الطبيعة المتناسبة إنما تفصح بتشكيلاتها عن جمال أعمق من الجمال الظاهري، أي عن جمال الحقيقة المكنونة في تنوعاتها كلِّها. ولا شكَّ أن شعور الإنسان بالجمال يعكس بنية الإنسان نفسها القائمة على قوانين التناسق الطبيعية؛ وبالتالي، فإن وعي الإنسان هو، في جوهره، فعل تناغم مع الطبيعة.
تنحو الطبيعة باستمرار إلى خلق المزيد من النماذج المعقدة؛ لكنها تحافظ، في الوقت نفسه، على نسق أساسي. فبلورات الثلج السداسية المنمَّقة يتجمع مثلاً بعضُها إلى بعض لتشكل ندفة ثلجية لها من التعقيد ما لا يجرؤ أيُّ رياضي أن يطلق عليه اسمًا! وهذا ما يدعى في الرياضيات بتضاعُف القصيمات. فأعقد البُنى الطبيعية يمكن إرجاعها إلى تضاعف وتراكب قُصَيْمات fractals أساسية. وهكذا، فإننا نجد في خضمِّ الفوضى التي تجنح الطبيعة إليها إشعاعًا ناظمًا من قوانين التناسب. ولعل هذه الثنائية بين ظاهر الفوضى وباطن النظام هي التي أدَّت إلى تفتح الوعي. والطبيعة، وإن لم تكن لتقنَع أبدًا بالأشكال البسيطة، إلا أنها لم تعدِّل أبدًا قوانينها الأساسية البسيطة التي تقوم على مفهومي الوحدة والاتساق.
إن التنوعات الهائلة للتصاميم الرياضية المعقدة التي أبدعتْها الطبيعة تفصح جميعًا عن علاقات رياضية بسيطة. ونضرب مثالاً عليها الحلزونات المتنوعة. ففي قوقعة الحلزون ذي الحجيرات nautilus – وهو حلزون ذو زوايا متساوية، أي أنه حلزون لوغاريتمي – نجد أن منحني الحلزون يقطع الأشعة المتجهة نحو الخارج بزاوية معينة ثابتة. وتظهر هذه الحلزونات اللوغاريتمية أيضًا في انحناء أنياب الفيل وفي قرون الكبش البري وفي مخالب عصفور الكناري. كما تشكِّل الزهيرات الدقيقة التي تؤلِّف لبَّ زهرة الأقحوان حلزونات على هيئة مجموعتين متعاكستين من 21 و34 حلزونًا. وتوجد مماثِلات لهذه الحلزونات في أنواع كثيرة من النباتات، مثل الأناناس والصنوبريات وأوراق الأشجار وغيرها. وترتبط هذه الحلزونات ارتباطًا وثيقًا بمتتالية رياضية تُعرَف بمتتالية عمر الخيام أو فيبوناتشي Fibonacci.

يقوم هذا التنوع الهائل، إذن، على نموذج رياضي بسيط. وسنخصِّص الجزء الأكبر من هذا البحث لدراسة بعض جوانب هذا النموذج، ممثلاً بمتتالية فيبوناتشي التي يبدو أن لها تأثيرًا غريبًا على الفن والعمارة، إضافة إلى علاقتها بالفيزياء والبيولوجيا والتطور وعلم الحيوان والنبات.

الحلزونات في الطبيعة

إن تعدد الحلزونات الرياضية لا يقل عن تعدد الأشكال الحلزونية الطبيعية. ويمكن لحلقات الحلزون أن تتباعد عن المركز بشكل حسابي (مثل حلزون أرخميدس) أو لوغاريتمي. وينتج الحلزون الأول عن متتالية عددية، بينما ينتج الحلزون الثاني عن متتالية هندسية. ويمكن للخطِّ الحلزوني أن يمثل تضاعفًا أو نموًّا أو تغيرًا في حركة أو بنية طبيعية ما. وعندما نختار شكلاً لا على التعيين، ونكرِّره مرات متتالية، فإن مختلف نقاط الشكل الناتج ستمثل حلزونات لوغاريتمية. وتكون الظاهرة أوضح عندما يكون الشكل المكرَّر ناجمًا ببساطة عن تقسيم الشكل الأصلي وفق صورته الأصلية. وهذا هو مثال المستطيل الذهبي أو المثلث الذهبي (سنعود إليهما لاحقًا).

ينطبق ذلك على أنواع القواقع التي تُبنى وفق مسافات منتظمة، كما وعلى الأوراق النباتية الملتفة. كذلك تظهر الأشكال الحلزونية المستعرضة عندما تُبنى متعضِّيات من تراكب دائري للأوجُه الشكلية. وهذا ما يحصل في قلب زهر اللؤلؤ أو البليس أو دوار الشمس والصنوبريات والأناناس وغيرها.

ويمكن لنا مثلاً ملاحظة أن الإبر الصغيرة في فرع جديد من شجرة صنوبر تشكِّل حلزونين يلتفان يسارًا ويمينًا وفق متتالية أعداد فيبوناتشي التي تتجلَّى في هذا النطاق بأجلى مظاهرها. فكما في الأشكال اللوغاريتمية الناجمة عن التماثُلات المتتالية (كما في المستطيل الذهبي)، كذلك نجدها في كلِّ شبكة مزدوجة متداخلة من الحلزونات. ولدينا في الأناناس 5 حلزونات مباشرة و8 معاكسة، وفي الصنوبريات 3,18، وفي زهرة اللؤلؤ والبابونج وأنواع الفصيلة الأخرى 34,21، وفي عبَّاد الشمس 55,34، ويمكن أن تصل فيها إلى 89,55.

تمثل هذه الثنائيات أرقامًا متتالية في متتالية فيبوناتشي، ونسبتها الثابتة تتكرر في الطبيعة بشكل لا يوصف. فمن مِعَديات الأرجل إلى قرون الماموث، ومن حوالق الكرمة (الأوراق المتحولة إلى خيوط) إلى الحلزونات الورقية الموزِّعة للأوراق على الكأس، ومن الحبل السُّري عند الإنسان إلى أذنه الداخلية، ومن الفيروسات إلى الـDNA، ومن الإعصار إلى المجرة الحلزونية، يبدو أن العالم الحي مبني من هذه الحلزونات اللوغاريتمية.

ترى ما سبب هذا النموِّ الحلزوني؟ تنمو الخلية أو البنية الحية بإحدى طريقتين: إما بمضاعفة حجمها أو بتكاثرها. والنمو الحجمي محدود بسبب تناسب الحجم مع السطح المسؤول عن التبادلات بين المتعضِّية والبيئة. وعندما يصل النمو إلى هذا الحدِّ تبدأ طريقة الانقسام الخلوي. لكن هذا الانقسام الذي يتم وفق متتالية هندسية لا يمكن له أن يستمر إلا لعدد معين من الأجيال في المستعمرة العضوية الواحدة. ويتوقف الأمر على مسألة النموِّ الحجمي العشوائي الذي يتعدى حدودًا معينة لإمكانات سطح المستعمرة الخلوية على إحداث التبادلات مع البيئة. إن هذه المحدودية هي التي تفرض نوعًا خاصًّا من النمو، نوعًا يتطلب أقل تكلفة وجهد بالنسبة لإمكانات النمو المُثلى. ويمكن لهذا النموِّ أن يتم ضمن بُعدين أو بُعد واحد. ويتطلَّب النمو ثنائي البعد حاملاً يصبح هو نفسه مُشْرِطًا لنموِّ المتعضِّية. أما النمو الوحيد الاتجاه فيُفترَض فيه نظريًّا أن يكون خطيًّا مستقيمًا؛ وهذا يفترض ناظمًا كاملاً للانحرافات البسيطة عن النقطة الابتدائية، أي لبداية النمو. غير أن الميل الطبيعي نحو العشوائية في الطبيعة يعكس الميل إلى الالتفاف في اتجاه ما، الأمر الذي يؤدي إلى وجود دائري. ويصير احتمال النموِّ وحيد الاتجاه في شكل مستقيم ضئيلاً جدًّا في الفراغ، ويتحول النمو الدائري الناجم عن انحراف الشروط البدئية إلى النموِّ الحلزوني، بل وإلى النمو الحلزوني المتراكب. إنه قانون طبيعي، إذن، ينشأ أصلاً عن قانون الميل إلى الفوضى في الطبيعة، وعدم القدرة على الحفاظ على الشروط الابتدائية في ناظم صارم. لكن قانون الفوضى نفسه، كما وجدنا، يؤدي إلى أشكال ناظمة غاية في الإشراق. ترى هل يمثل الصراع بين الميل إلى الفوضى والبحث عن حلٍّ أمثل للحركة باتجاه الانتظام والوعي جوهرَ الجمال الذي نشعر به؟

إن لاتناظر البنية الحلزونية يقودنا إلى التساؤل حول إذا ما كانت الأشكال المتناظرة يمينًا وشمالاً موجودة أصلاً في الطبيعة. والإجابة ليست بهذه السهولة. فقد رأينا أن انكسار التناظر بين الحلزونات المباشرة والمعاكسة وفق متتالية فيبوناتشي يكاد أن يكون قانونًا في عالم النبات. إن مجرد وجود بنية حلزونية في متعضِّية ما يعني عمومًا أنها غير متناظرة. وتلكم هي الحال بالنسبة للفيروسات والبكتريا، وصولاً إلى العناصر العضوية في الثدييات العليا. ولعل أكثر الأمثلة إدهاشًا على ذلك نجدها في الرخويات. ومع ذلك توجد بعض الاستثناءات. فللقوقعة تناظر بالنسبة إلى مستوي متوسط يقطعها.

ويمكن لنا القول في شكل عام إن انكسار التوازن في البُنى الطبيعية يُعَدُّ قانونًا ناظمًا في حدِّ ذاته للصيرورة الطبيعية. فنمو الكائنات، كما وتطورها عبر الأجيال، يخضع باستمرار إلى إنشاء تشكيلات جديدة هي، في معظم الأحيان، بعيدة عن التناظر، إنما خاضعة في النهاية لقانون أساسي هو قانون الطبيعة البسيط: قانون الجهد الأقل.

أختتم هذه الفقرة قبل الانتقال إلى متتالية فيبوناتشي بتجربة فيزيائية أُجرِيَتْ حديثًا، وتسمح بفهم أفضل لكيفية تشكل البُنى الحلزونية التي نصادفها في العالمين النباتي والحيواني. وتشتمل هذه التجربة على مشاهدة كيفية انتظام قطرات سائل ممغنط تتساقط بإيقاع منتظم قرب مركز إناء مملوء بطبقة رقيقة من زيت السيليكون. وعندما تسقط القطرات تتدافع فيما بينها بسبب مغنطتها، متباعدة نحو حافة الإناء بفضل الحقل المغناطيسي الموافق. وخلال التجربة تتوضع القطرات في حلزونات تتطابق صفاتها مع خصائص الحلزونات الملاحظة عند النباتات. فالأعداد I وJ الممثلة للحلزونات تنتمي إلى متتالية فيبوناتشي. وقد تمَّ إثبات أن عدد هذه الحلزونات وتشكُّلها يرتبط فقط بإيقاع سقوط القطرات وسرعتها وبُعدها عن المركز. وبتحديد أكبر، فإن ارتباط هذه المُعامِلات الثلاثة هو الذي يتدخل فقط في تعيين هذه الحلزونات. وقد أعطيت مماثلاتٌ رقمية عديدة لهذه الظاهرة، مع خيارات مختلفة لقانون تدافُع الجسيمات، نتائج مماثلة. وهكذا ثبت أن هذا الانتظام الآني في حلزونات النسبة الذهبية لا يتعلق بتفاصيل التدافُع بين الجسيمات. وهذا يعني في بساطة أن الانتظام الحلزوني هو أساس طبيعي للتوزع الإيقاعي. وباختصار، فإن الشكل الحلزوني هو تعبير بديهي عن الحركة الأقل جهدًا في الطبيعة.

يقال إن دراسة توالد الأرانب وفق هذه المتتالية هو الذي أدى إلى اكتشافها. لكن الأمر لا يعدو كونه عرضًا مبسطًا لها. كان فيبوناتشي، الرياضي اللامع، الذي يدعى أيضًا بلورنزو البيزاني Lorenzo da Pisa، قد سافر إلى البلاد العربية وتعلَّم الرياضيات من كبار معلِّميها. وربما كان قد اطَّلع على متتالية عمر الخيام. لكن هذا لا يمنع أبدًا أنه كان أول من دَرَس هذه المتتالية في شكل وافٍ في مؤلَّفه Liber Abacci الذي وضعه في العام 1202. وإن كان المجال لا يتسع هاهنا لعرض مطوَّل ووافٍ لخصائص متتالية فيبوناتشي والنسبة الذهبية في مجال الرياضيات – وهي خصائص ممتعة إلى أقصى حد – فإننا نكتفي بالتعريج على الهندسة القائمة على النسبة الذهبية لعرض بعض خصائصها الرياضية والجمالية.

النسبة الذهبية في الأشكال الهندسية

توجد النسبة الذهبية في شكل خاص في المخمَّس المنتظم وفي المضلَّع ذي العشرة أضلاع المنتظم. والمخمَّس المنتظم هو مخمَّس المعرفة، وهو النجمة الخماسية العزيزة على الفيثاغوريين؛ وكانت في نظرهم رمز العلم الصغير Microcosm (الإنسان – الكون الصغير). وقد حافظ على هذا الرمز فلاسفة العصور الوسطى وعصر النهضة. ورسم دافنتشي شكلاً شهيرًا للإنسان – الكون الصغير – ضمن مخمَّس، كما نادى به أغريبا نتشايم A. Nettesheim. وكان هذا الشكل رمزًا للصحة والحب. ويعلِّمنا لوقيانوس أنه كان رمز الارتباط بالفيثاغوريين.

يمكن أن تتحقق النسبة الذهبية في شكل خاص في المثلث الذهبي (أطوال أضلاعه 1، ، )، الذي يحقق قاعدة فيثاغوراس: أي أن وتره هو قطر الدائرة المارة برؤوسه. ويُعَدُّ هذا المثلث عنصرًا أساسيًّا في هرم خوفو. وكذلك تشتهر هذه النسبة في المستطيل الذهبي الكلاسيكي (طول ضلعيه 1 و ). ويتصف هذا المستطيل بخواص مدهشة لما له من تأثير على الحسِّ الجمالي عند الإنسان. وهو يُعَدُّ قاعدة العمارة الأولى بحق عند القدماء. وقد وُجِدَ في أبنية كثيرة عند حضارات المتوسط القديمة.
وإذا لاحظنا أن مساحته تساوي ومحيطه أي 3/5π لأدركنا علاقة النسبة الذهبية بالعدد π. وهي علاقة غالبًا ما تُستخدَم في العمارة. وقد بينت التجارب الإحصائية أن عرض مجموعة مختلفة من المستطيلات، من بينها المستطيل الذهبي، على أناس مختلفين يؤدي، في غالب الأحيان، إلى اختيارهم له كأجمل المستطيلات وأكثرها تناسقًا. ولو أمعنَّا النظر في حياتنا اليومية للحظنا أننا نختار شكلاً قريبًا من المستطيل الذهبي في معظم المواد الاستهلاكية المستطيلة الشكل التي نتعامل معها. فكتُبنا ودفاترنا، وحتى قطع السكر أو الطوابع البريدية أو تقسيم حجرات أو نوافذ المنازل، كلها قريبة من النسبة الذهبية. وقد أولى دافنتشي هذا المستطيل أهمية خاصة واعتمد عليه في رسم الكثير من لوحاته.

يمكن لنا أيضًا تعريف القَطْع الناقص الذهبي – وهو القَطْع الذي بُعد محرقه يساوي ومحوره الصغير يساوي الواحد؛ أي أنه في بساطة القَطْع الناقص المُقام على المثلث الذهبي. وتُلاحَظ أهميتُه في الهرم وفي الوجه الإنساني. وأخيرًا فإن الحلزون الذهبي هو أحد أكثر الأشكال تعبيرًا عن متتالية فيبوناتشي أو العدد الذهبي، وهو رمز التطور اللامحدود.


__________________
تحيرت والرحمن لا شك فـي أمـري***وحاطت بي الأحزان من حيث لا أدري
سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري***وأصبر حتى يقضي الله فـي أمـري
سأصبـر مغلوبـاً بغـيـر تـوجـع***كما يصبر الظمآن في أزمـن الحـر
سأصبـر حتـى يعلـم النـاس أنني***صبرت على شئ أمـر مـن الصبـر
ولا شـئ مثـل الصبـر مـر وإنمـا***أمرُّ من الأمرين إن خاننـي صبـري
سرائـر سـري ترجمـان سريرتـي***إذا كان سر السر سـرك فـي سـري
ولـو أن مـا بـي بالجبـال لهدمـت***وبالنار أطفأهـا وبالريـح لـم تسـرِ

باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-28-2015, 08:02 PM
هرم خوفو

كما أن النسبة الذهبية موجودة في الأشكال الهندسية المستوية، كذلك نجدها في الأشكال الفراغية؛ وأهمها رباعي الوجوه المنتظم، والمكعب، وثُماني الوجوه، وذو الـ12 وجهًا، وذو الـ20 وجهًا (وهي ما يُعرَف بالمجسَّمات الأفلاطونية).

ففي ذي العشرين وجهًا مثلاً، إذا وصلنا بين الحرفين المتقابلين تكون المسافة φ إذا كان طول الحرف يساوي 1. وإذا لم يكن المجال يسمح لنا بدراسة هذه المجسَّمات التي كان أفلاطون قد صنَّفها، فإننا سنكتفي بإلقاء الضوء على أحد أشكال رباعي الوجوه، ولعله أشهرها على الإطلاق، هرم خوفو.


إذا أخذنا مسقطًا شاقوليًّا يمر من منتصف ضلعي المربع القاعدة، فإننا نجد مثلثًا متساوي الساقين، طول كلٍّ منهما φ، وارتفاع المثلث هو ارتفاع الهرم، ويساوي ، هذا إذا اعتبرنا أن قاعدة المثلث تساوي 2؛ أي أن هذا المثلث مؤلَّف من مثلثين ذهبيين. ويشير هيرودوت إلى التناسبات القائمة في الهرم بقوله: "لقد أعلمني الكهنة المصريون أن التناسبات المُقامة في الهرم الأكبر بين جانب القاعدة والارتفاع كانت بحيث تسمح بأن يكون المربع المُنشأ على الارتفاع يساوي بالضبط مساحة كلٍّ من وجوه الهرم المثلثة." ترى هل إنشاء مثل هذا المربع كان يُقصَد منه الإشارة إلى العلاقة بين π وφ، حيث إن العدد π قائم في الهرم من خلال نسبة الارتفاع إلى نصف محيط القاعدة؟ على أية حال، يجب أن نلاحظ أن خصائص هذا الهرم توافق كلَّ هرم ميله 14/11 ( الموافق لزاوية ميل 51 درجة و50 دقيقة و35 ثانية)، وهي بالتالي لا تخص هرم خوفو فقط. فقبل حكم هذا الملك كانت هذه النسبة موجودة في هرم ميدوم عندما كان غطاؤه لا يزال موجودًا. ويثبت ذلك أن هذه النِّسَب كانت موجودة في مَيَلان واجهات الأهرامات في السلالة الثالثة. والسؤال المطروح هو: هل كان المصريون القدماء يعرفون هذه النِّسَب منذ ذلك الزمن السحيق، أم أن اختيارهم لهذا النموذج كان من قبيل المصادفة؟ إن الحفاظ على هذا النموذج بهذه القياسات الدقيقة لا يحمل سوى معنى واحد باعتقادي، وهو أن المصريين عرفوا هذه النِّسَب، وحافظوا عليها في سرية فائقة منذ أزمنة موغلة في القدم!

من جهة أخرى، إذا رسمنا قطعًا ناقصًا محوره الصغير هو ضلع المربع في قاعدة الهرم، فإن نصف محوره الكبير سيساوي φ، وسيقع محرقُه عند ذروة الهرم. ترى هل كان المصريون يعرفون ذلك؟ نحن لا نعرف شيئًا عن معلوماتهم حول القطع الناقص؛ لكنهم كانوا فعلاً ينسبون ذروة الهرم إلى الشمس. يقول موريه A. Moret، أحد كبار علماء المصريات: "لقد وجدنا صدفة الذروة الهرمية pyramidion التي كانت تعلو هرم أحد الملوك من السلالة الثانية عشرة، وهو لأمنحوتب الثالث، في دهشور. وكان هذا الحجر الجميل من الغرانيت منحوتًا ومصقولاً كالمرآة، ويحمل على جهته الموجهة نحو الشرق قرصًا مجنحًا...". كانت هذه الذروة تعكس أشعة الشمس من الشروق حتى الظهر، فتبدو كأنها شعلة في ذروة الهرم. ونعلم أن كلمة هرم pyramid مشتقة من الجذر اليوناني πύρ الذي يعني "نار". فإذا أبحرنا في الخيال وقرنَّا الشمس إلى الذهب – والذهب كان رمز النار والشمس والإله رَعْ عند المصريين القدماء – لكان من الممكن أن يسمِّي المصريون العدد الذهبي "عدد الشمس"، الشمس مولِّدة الحياة على الأرض!

الكلام على الهرم لا ينتهي. لكننا نشير في النهاية إشارة سريعة إلى نوع آخر من المجسَّمات الذهبية، هو متوازي المستطيلات الذهبي، وأضلاعه هي 1 وφ و2φ، وحجمه يساوي 3φ؛ أي أنه يساوي حجم مكعب ذهبي. ويحقق هذا الشكل متتاليتين: عددية (1, φ, φ + 1 = 2φ) وهندسية (1, φ, 2φ). وهذا أمر خاص بالنسبة الذهبية؛ ذلك أننا لو طرحنا مسألة إيجاد عددين بحيث يشكلان معًا متتالية هندسية وعددية لتوصَّلنا إلى المعادلة الأساسية x2 = x + 1؛ وحلها هو ببساطة العدد الذهبي. ويمكن لنا بالطبع تعريف عدة أشكال من المستطيلات الذهبية؛ لكننا نكتفي بالإشارة إلى أن غرفة الملك في هرم خوفو تحقق تناسبات ذهبية، وأضلاعها هي 2، 4، .

العدد الذهبي في الحياة

تحمل التفاحة – ثمرة شجرة معرفة الخير والشر – رمزية فائقة. وقد اعتاد دارسو الأساطير الكشف عن أحد وجهي رمزيتها من خلال تجزئتها إلى قسمين طوليًّا، بحيث تظهر رمزية المرأة، القطب السالب، الجاذبة للإنسان إلى ثنائية الخير والشر. لكن قلَّة من الدارسين قطعوا التفاحة عرضيًّا وشاهدوا المضلَّعات الذهبية – الوجه الآخر الإيجابي. وإذا تمعنَّا في المضلَّع المرتسم أمامنا سنلحظ مخمَّسًا يحوي البذور، ثم مخمسًا آخر غير واضح كالأول، سرعان ما يسودُّ مع جفاف التفاحة، ليشكِّل مع الأول مضلعًا من عشرة وجوه. وفي كلٍّ من هذه المضلَّعات الذهبية نستطيع أن نستشف معنى جديدًا للأسطورة القديمة!

والتفاحة ليست استثناء. فكافة الأزهار الخماسية الأجزاء تحقق هذه النسبة. قد يعترض بعضهم قائلاً إن أزهارًا أخرى رباعية أو سداسية أو سباعية الأجزاء إلخ لا تمثل النسبة الذهبية. لكن الإجابة على هذا السؤال جاءت في العام 1875 على يد فينر Wiener، الذي وجد أن الزاوية 137 درجة و30 دقيقة و28 ثانية التي تظهر غالبًا في نموِّ الأوراق في أثناء التباعد الحلزوني الثابت لفروع التيجان – وهي زاوية تنتج عن حلِّ معادلة النسبة الذهبية، وتساوي ، وتوافق الحلَّ الرياضي لمسألة التوزع الأمثل (يكون الأقصى في المناخ المعتدل) للأوراق، بحيث يكون الضوء الواصل محوريًّا أو عموديًّا. وقد دُعِيَتْ هذه الزاوية بالزاوية المثلى، وتساوي .

إن وجود هذه النسبة في النبات يجعلنا نبحث عنها في الحيوان أيضًا. لكن حرية حركة الحيوان وتعقيد بنيته يجعلنا نتساءل عما إذا كان كَسْر التناظر قد بلغ حدًّا أخفى معه هذا التناسب الطبيعي البسيط. لكن مهلاً... عندما تكون هذه الحرية محدودة، كما عند بعض الحيوانات شبه الثابتة، مثل نجمة البحر ذات الأطراف الخمسة، وكافة الرخويات التي تثقل القواقع على حركتها، نجد أن النموَّ يتم عبر حلزونات مخروطية تتبع المتتالية اللوغاريتمية أو الحلزون الذهبي. أما عندما تكون الحرية أكبر، فإنه يصعب إيجاد هذه النسبة؛ غير أن هذا لا يعني عدم إمكانية التوصل إليها. لقد حدَّثتنا العصور الوسطى كثيرًا عن الإنسان الكوني المرسوم في مخمَّس. ويبدو أن الإنسان ينمو حقًّا وفق النسبة الذهبية. فوجه الإنسان يرتسم في مستطيل ذهبي؛ وهذا المستطيل يحمل تقسيمات ذهبية لأعلى الجبهة ولأسفل الأنف ولمستوى الفم ولأسفل الذقن. إضافة إلى ذلك، إذا رسمنا مسقط الهرم الشاقولي ضمن هذا القطع لوقعت ذروةُ الهرم في مستوى الغدة الصنوبرية عند الإنسان. كما وتمثل هذه النقطة ذروة الجبين، حيث كان الكهنة المصريون يقرنون ذروة الهرم إلى الشمس المجنَّحة وذروة الجبين إلى رمزَي مصر الدينيين التقليديين: النسر والثعبان. ترى، أي مكان أروع للرمز إلى العين الثالثة – عين البصيرة في الإنسان؟

ولكن ماذا عن الجسم الإنساني وعن حركته؟ يقول رودلف لابان M. Rudolf Laban، مدير إحدى أشهر مدارس الرقص الإيقاعي في ألمانيا: "إن كلَّ حركات الجسم الإنساني في الأبعاد الثلاثة تؤدَّى في شكل أمثل بانتقالات زاوية تقدر بـ72 درجة، وإن مختلف الاتجاهات في الفضاء الموافقة لهذه الانتقالات تمثَّل بأقطار مجسَّم منتظم من عشرين وجهًا، حيث تشكِّل الزاوية 72 الزاوية المركزية في أحد وجوهه المخمَّسة." ويقول معلِّم الرقص: "إن الحركات المتناغمة هي التي تقود الخطوات وحركات الذراعين واليدين والنظرات باتجاه قمة المجسَّم."
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ولعل النسبة الذهبية تبرز أكثر ما تبرز في التناسب الطولي للإنسان. فنسبة طول الإنسان إلى ارتفاع سرته عن الأرض تساوي أو تقارب كثيرًا النسبة الذهبية. وقد بيَّنَتْ الدراسات الإحصائية صحة هذه النسبة في معظم التماثيل اليونانية القديمة. ومن خلال دراسة إحصائية للأجناس البشرية تبيَّن أن بعضها يمثل هذه النسبة تمامًا، في حين أن الأجناس الأخرى تقترب منها. وفي كلِّ حالات عدم تحقق النسبة، لم يقع خط النسبة الذهبية فوق السرة، بل تحتها. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الطفل الوليد لا ينمو بتناسب ثابت في كافة أعضائه بسبب قصر طرفيه السفليين، نستطيع الاستنتاج أن النموَّ الإنساني يقترب في سنِّ النضج من تحقيق النسبة الذهبية.

إن الحديث عن النسبة الذهبية يكاد أن يكون بلا نهاية. ويسعى باحثون كثيرون اليوم إلى اكتشاف أسرارها في الطبيعة، أو البحث عنها في الإنجازات الإنسانية القديمة، أو إلى استلهامها في حياتنا اليومية. ونشير هاهنا، مثلاً، إلى أنه قد تبيَّن أن السلَّم الموسيقي الذي وضعه وأرسى أسُسه النهائية باخ يكاد أن يطابق السلَّم الموسيقي المبني على النسبة الذهبية. كما أن جمال آلة الكمان الذي يُجمِع عليه معظمُ الموسيقيين والناس يُخفي حقيقة جوهرية كما بيَّنت آخر الدراسات: فالكمان مبني وفق تناسبات ذهبية دقيقة. ويبدو أن انتصار عصر النهضة لهذه النسبة أدى إلى اكتمال شكل الكمان وفقها. أما في العمارة الحديثة، فعلى الرغم من أن نموذج لوكوربوزييه Le Corbusier هو محاولة فيها بعض الإقحام، لكنه نموذج فريد يربط بين سلسلتين لفيبوناتشي بأبعاد المنزل السَّكَني مستنتَجة من أوضاع وحركات الإنسان في داخله. ونشير أخيرًا إلى أن متتالية فيبوناتشي تدخل اليوم في مجال نظرية البحث وفي العديد من الأبحاث العلمية والرياضية.

الجمال والمعرفة

لطالما تساءلتُ، وأنا أتأمل تنوع الجمال الطبيعي، عما إذا كان للمعرفة الإنسانية أن تكتمل ما لم تُتوَّج بقدرة فائقة على اكتناه أسرار الجمال. ولتساؤلي هذا ما يبرره، مادام جاذبٌ خفي يشدنا إلى سحر غامض في ألوان الطبيعة وأشكالها اللانهائية التنوع. ومما لا شكَّ فيه أن هذا الجاذب ما كان ليكون موجودًا لولا أن الإنسان نفسه كائن طبيعي. وعلى تخوم هذه الوحدة يتسنَّم تساؤلي ذروته: لعل المعرفة ليست في جوهرها سوى تجلِّي الجمال في أبهى مظهر له، ألا وهو التواحد مع الطبيعة؟! بل لعل دافعي الحقيقي إلى المعرفة هو الجمال المكنون فيَّ – هذا الجمال الذي يسعى إلى التألق بجمال الكلِّ وإلى وعي ذاته في جمال الوجود؟

كذا فإن القانون الطبيعي هو قانون الجمال في نهاية الأمر؛ وإدراك قوانين الطبيعة هو كشف لقوانين الجمال. وضمن هذا المنظور، يختلف مفهومُنا للجمال، كما ومفهومنا للقانون الطبيعي. فالجمال النسبي الذي قد نختلف على مقاييسه ودرجاته يتبدَّد في ضوء الجمال الطبيعي الذي نستلهمه من وعينا للطبيعة؛ ذلك أن هذا الجمال هو قانون الطبيعة بذاته. وفهمنا لهذا القانون لا يمكن له أن يكتمل ما لم نكتمل نحن به. فحياتنا مظهر له، والوجود مظهر له. وكلما أغرقنا في فهم الطبيعة بعيدًا عن روح هذا القانون جرَّنا فهمُنا هذا إلى متاهة لا مخرج منها.

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

كذا تتسنَّم الطبيعةُ ذروةَ جمالها عندما تصبح قادرة على فهمه ووعيه والتعبير عنه. وذلك لا يعني أن الجمال لم يكن موجودًا قبل وجود الإنسان. غير أن بزوغ الفكر، وظهور ثنائية العارف والموضوع المعروف، التي نجمت عن انكسار داخلي في الطبيعة المتطورة، أدى إلى انكسار ظاهري في مرآة الجمال. فقد ميَّز الفكرُ نفسه عن الطبيعة وحاول إدراك قوانينها في معزل عن طبيعته. ولنقل إن صيرورة الطبيعة نفسها هي التي أدَّتْ إلى هذا الانكسار في تناظرها التطوري، لأنها كانت تريد رؤية نفسها في مرآتها الخاصة. لكن ذلك لم يشكِّل شرخًا حقيقيًّا لأن الإنسان في النهاية كائن طبيعي تفعل فيه قواعد الجمال الطبيعي.

يمكن لنا القول، إذن، إن المعرفة الإنسانية لا تشكِّل سوى طور من أطوار الصيرورة الطبيعية. وقد يؤدي انكسارٌ ظاهريٌّ آخر في هذه المسيرة إلى ظهور قدرة معرفية أوسع وأشمل من قدرتنا. إلا أن تتالي مثل هذه الانكسارات لا بدَّ أن يؤدي إلى تعميق القانون الطبيعي الأصيل. ونلاحظ في استمرار أن تميُّز الإدراك وتجليه ينعكس على الشكل المدرِك. وهذه العلاقة بين الظاهر والباطن، بين الشكل والقانون، هي التعبير الأعمق – دون شك – عن القانون الحقيقي الذي يرتكز عليه وجودُنا.

كيف نستطيع، مثلاً، إدراك تاريخنا المعرفي إذا لم نلحظ هذا التوازي بين التغير الشكلي والانكسار الداخلي؟ لا شكَّ أن الإنسان القديم كان قريبًا من الطبيعة في شكل مختلف عن قُربنا منها؛ وكان تناغمُه معها يرتكز على مقدرته على إدراك وجوده فيها كجزء منها. ومن هنا فإن مسؤوليته كانت موجَّهة، بالدرجة الأولى، إلى بَلْوَرَة هذا الإدراك. وما الأساطير القديمة إلا الشكل الجمالي لهذه المرحلة. أما اليوم، فإننا لا نستطيع الاكتفاء بهذا التوجه. فمع إدراكنا لموقعنا في الطبيعة، لا بدَّ لنا من تركيز جهودنا على إدراك موقعنا المعرفي. تلكم هي مسؤوليتنا الأولى. ومن هنا يمكن لنا أن نبدأ ببناء الأساس المعرفي للإنسان المقبل. وعلينا أن ندرك أن أيَّ انكسار في الصيرورة الطبيعية لا يؤدي فقط إلى ظهور تعقيد أكبر في الشكل الفسيولوجي وفي المقدرات النفسية والعقلية، بل وإلى ظهور مقدرة فائقة وأكثر تطورًا على التبسيط وعلى إبراز المعنى الأكثر نقاء للتجريد المعرفي.

هكذا يمكن لنا، منذ الآن، التنبؤ بالشكل العام لتطور الصيرورة المعرفية. وإذا تتبَّعنا مسيرة التطور النفسي والعقلي للإنسان، كما ومسيرة إنجازاته الشكلية، لثَبَتَ لنا أن أيَّ تصور مستقبلي للمعرفة البشرية يجب أن يرتكز على تطور لوغاريتمي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو: أليس من ضابط لهذا التطور المتسارع؟

لربما كان الأمر يتعلق بالإنسان نفسه، وباختياره، منذ الآن، لمتتالية تناغمية تحكم مسيرته المعرفية وتحيد به عن دربَي الإفراط أو التفريط على حدٍّ سواء! لقد بلغ إنسانُ اليوم مقدرةً هائلة على التجريد، مما يوفر له الفرصة لفهم صيرورته المعرفية فهمًا أشمل. غير أننا لا نستطيع قياس رياضيات القرن العشرين بتجريدها فقط، بل وبذاتيتها التي تمثل باطن تطورها. فمع تشعب العلوم الرياضية ثمة ميل مقابل إلى الشمولية والفهم الذاتي، لعله بَرَزَ لأول مرة، وفي أوضح أشكاله، مع أعمال غودل Gِdel العظيمة. ومن هنا يمكن لنا أن نرى إلى مسيرة الرياضيات المستقبلية.

ويتطلع العلماء، منذ اليوم، إلى قمة بعيدة وشامخة تتناسب مع القاعدة التي أسَّسوا لها. ولعل هذه القمة تخترق سماء إدراكنا الحالية، وتتجاوز طبقات جوِّنا الصاخب. إنها قمة للجمال الصافي وللبساطة الصافية وللكلِّية الصافية.

من هنا، فإن التوجه الذاتي للرياضيات، ربما نحو تجريد متزايد ظاهريًا، سيؤدي حتمًا إلى بناء هيكل معرفي، لا نعرف شكله أو حدوده بعدُ، لكننا ندرك في وضوح أنه يستمد مواده من منطق أعظم تناسقًا وجمالاً من منطقنا، وبالتالي أبسط منه. إن محاولة بناء خوارزمية للمعرفة، مثلاً، لا يقارَن بالجهود المبذولة اليوم لبناء حواسب عملاقة أكثر فأكثر مقدرة. ومن المرجَّح أن ما من أحد من العاملين في هذا المجال انتبه إلى أن الإمكانات الذاتية تحتاج إلى وقت لتنضج، أي ليصبح في الإمكان توجيه مقدراتنا المعرفية. ولا شكَّ أن إنسان الغد سيحمل عبء التخلص من أخطائنا. إن الشكل المعرفي ليس بأقل أهمية من المعرفة ذاتها؛ وعدم ضبطنا اليوم لتوجهاتنا المعرفية لا يتوافق والقواعد الجمالية المنحوتة في أعماقنا. فالمعرفة ليست جهدًا فوضويًّا، وليست تراكمًا للمعلومات وسبرًا عشوائيًّا للظاهرات؛ بل إن المعرفة ليست بناء نظريات فيها الكثير من خصوصيات بُناتها والقليل من روح الجمال الطبيعي.

لقد تجاوزت الرياضيات اليوم مجرد كونها حقلاً للقياس أو للتطبيق الفيزيائي، وباتت طريقًا إلى المعرفة وموئلاً لمريديها. والمعرفة، من هذا المنظور، تتجاوز المنهج الذي يقوم على النظرية والبرهان: فهي تتأسَّس في بساطة على التناسق الكامل في البناء الشكلي البحت. وإذا كان هذا التناسق كليًّا، فهو لن يؤدي إلى نظريات مختلفة، بل إلى صيرورة معرفية موازية للصيرورة التطورية الطبيعية. وعلى هذا، فإن الشكل المعرفي ليس نهائيًّا، بل هو شكل متفتح باستمرار عن جمال أخَّاذ لا ينفك يتفلَّت من إسار الفرضيات ويغوص أكثر فأكثر في وحدة الشكل والجوهر.

كذا يكون لكلِّ عصر معرفته الكلِّية. لكن هذه المعرفة ليست نظرياته ومعلوماته، بل الشكل الفنِّي لهذه النظريات والشكل الذاتي لهذه المعلومات. إن معرفتنا الحقيقية هي الشكل الجمالي لقدرتنا التعبيرية في نظرياتنا وأفكارنا. ومقياس حضارتنا هو إدراكنا لهذه الحقيقة وعدم الانغماس في ظاهر إنجازات علومنا.

***

إنَّما الجمال انعكاس للحقيقة في الوجود. تلكم هي ركيزة كلِّ معرفة. فالجمال والمعرفة صنوان. وكلاهما لا يفترقان عن ال
حقيقة، لأن "الحقيقة جمال – إنها حقيقة الجمال"، ولأن المعرفة جمال، إنها تحقيق الجمال. ويمثل هذا الثالوث الوجود في كلِّيته وفي وحدته وفي صيرورته. فالحقيقة هي الكل، والجمال هو الوحدة، والمعرفة هي الصيرورة. إن المعرفة والجمال وجهان للحقيقة: فالجمال باطن المعرفة، والمعرفة ظاهر الجمال. والظاهر لا يتحقق إلا بكمال الباطن؛ كما أن الباطن لا يتحقق إلا بكمال الظاهر. وكمال المعرفة المحبة، وكمال الجمال المحبة.

باهر طاووس اسطوره الاساطير
11-28-2015, 08:02 PM
هرم خوفو

كما أن النسبة الذهبية موجودة في الأشكال الهندسية المستوية، كذلك نجدها في الأشكال الفراغية؛ وأهمها رباعي الوجوه المنتظم، والمكعب، وثُماني الوجوه، وذو الـ12 وجهًا، وذو الـ20 وجهًا (وهي ما يُعرَف بالمجسَّمات الأفلاطونية).

ففي ذي العشرين وجهًا مثلاً، إذا وصلنا بين الحرفين المتقابلين تكون المسافة φ إذا كان طول الحرف يساوي 1. وإذا لم يكن المجال يسمح لنا بدراسة هذه المجسَّمات التي كان أفلاطون قد صنَّفها، فإننا سنكتفي بإلقاء الضوء على أحد أشكال رباعي الوجوه، ولعله أشهرها على الإطلاق، هرم خوفو.


إذا أخذنا مسقطًا شاقوليًّا يمر من منتصف ضلعي المربع القاعدة، فإننا نجد مثلثًا متساوي الساقين، طول كلٍّ منهما φ، وارتفاع المثلث هو ارتفاع الهرم، ويساوي ، هذا إذا اعتبرنا أن قاعدة المثلث تساوي 2؛ أي أن هذا المثلث مؤلَّف من مثلثين ذهبيين. ويشير هيرودوت إلى التناسبات القائمة في الهرم بقوله: "لقد أعلمني الكهنة المصريون أن التناسبات المُقامة في الهرم الأكبر بين جانب القاعدة والارتفاع كانت بحيث تسمح بأن يكون المربع المُنشأ على الارتفاع يساوي بالضبط مساحة كلٍّ من وجوه الهرم المثلثة." ترى هل إنشاء مثل هذا المربع كان يُقصَد منه الإشارة إلى العلاقة بين π وφ، حيث إن العدد π قائم في الهرم من خلال نسبة الارتفاع إلى نصف محيط القاعدة؟ على أية حال، يجب أن نلاحظ أن خصائص هذا الهرم توافق كلَّ هرم ميله 14/11 ( الموافق لزاوية ميل 51 درجة و50 دقيقة و35 ثانية)، وهي بالتالي لا تخص هرم خوفو فقط. فقبل حكم هذا الملك كانت هذه النسبة موجودة في هرم ميدوم عندما كان غطاؤه لا يزال موجودًا. ويثبت ذلك أن هذه النِّسَب كانت موجودة في مَيَلان واجهات الأهرامات في السلالة الثالثة. والسؤال المطروح هو: هل كان المصريون القدماء يعرفون هذه النِّسَب منذ ذلك الزمن السحيق، أم أن اختيارهم لهذا النموذج كان من قبيل المصادفة؟ إن الحفاظ على هذا النموذج بهذه القياسات الدقيقة لا يحمل سوى معنى واحد باعتقادي، وهو أن المصريين عرفوا هذه النِّسَب، وحافظوا عليها في سرية فائقة منذ أزمنة موغلة في القدم!

من جهة أخرى، إذا رسمنا قطعًا ناقصًا محوره الصغير هو ضلع المربع في قاعدة الهرم، فإن نصف محوره الكبير سيساوي φ، وسيقع محرقُه عند ذروة الهرم. ترى هل كان المصريون يعرفون ذلك؟ نحن لا نعرف شيئًا عن معلوماتهم حول القطع الناقص؛ لكنهم كانوا فعلاً ينسبون ذروة الهرم إلى الشمس. يقول موريه A. Moret، أحد كبار علماء المصريات: "لقد وجدنا صدفة الذروة الهرمية pyramidion التي كانت تعلو هرم أحد الملوك من السلالة الثانية عشرة، وهو لأمنحوتب الثالث، في دهشور. وكان هذا الحجر الجميل من الغرانيت منحوتًا ومصقولاً كالمرآة، ويحمل على جهته الموجهة نحو الشرق قرصًا مجنحًا...". كانت هذه الذروة تعكس أشعة الشمس من الشروق حتى الظهر، فتبدو كأنها شعلة في ذروة الهرم. ونعلم أن كلمة هرم pyramid مشتقة من الجذر اليوناني πύρ الذي يعني "نار". فإذا أبحرنا في الخيال وقرنَّا الشمس إلى الذهب – والذهب كان رمز النار والشمس والإله رَعْ عند المصريين القدماء – لكان من الممكن أن يسمِّي المصريون العدد الذهبي "عدد الشمس"، الشمس مولِّدة الحياة على الأرض!

الكلام على الهرم لا ينتهي. لكننا نشير في النهاية إشارة سريعة إلى نوع آخر من المجسَّمات الذهبية، هو متوازي المستطيلات الذهبي، وأضلاعه هي 1 وφ و2φ، وحجمه يساوي 3φ؛ أي أنه يساوي حجم مكعب ذهبي. ويحقق هذا الشكل متتاليتين: عددية (1, φ, φ + 1 = 2φ) وهندسية (1, φ, 2φ). وهذا أمر خاص بالنسبة الذهبية؛ ذلك أننا لو طرحنا مسألة إيجاد عددين بحيث يشكلان معًا متتالية هندسية وعددية لتوصَّلنا إلى المعادلة الأساسية x2 = x + 1؛ وحلها هو ببساطة العدد الذهبي. ويمكن لنا بالطبع تعريف عدة أشكال من المستطيلات الذهبية؛ لكننا نكتفي بالإشارة إلى أن غرفة الملك في هرم خوفو تحقق تناسبات ذهبية، وأضلاعها هي 2، 4، .

العدد الذهبي في الحياة

تحمل التفاحة – ثمرة شجرة معرفة الخير والشر – رمزية فائقة. وقد اعتاد دارسو الأساطير الكشف عن أحد وجهي رمزيتها من خلال تجزئتها إلى قسمين طوليًّا، بحيث تظهر رمزية المرأة، القطب السالب، الجاذبة للإنسان إلى ثنائية الخير والشر. لكن قلَّة من الدارسين قطعوا التفاحة عرضيًّا وشاهدوا المضلَّعات الذهبية – الوجه الآخر الإيجابي. وإذا تمعنَّا في المضلَّع المرتسم أمامنا سنلحظ مخمَّسًا يحوي البذور، ثم مخمسًا آخر غير واضح كالأول، سرعان ما يسودُّ مع جفاف التفاحة، ليشكِّل مع الأول مضلعًا من عشرة وجوه. وفي كلٍّ من هذه المضلَّعات الذهبية نستطيع أن نستشف معنى جديدًا للأسطورة القديمة!

والتفاحة ليست استثناء. فكافة الأزهار الخماسية الأجزاء تحقق هذه النسبة. قد يعترض بعضهم قائلاً إن أزهارًا أخرى رباعية أو سداسية أو سباعية الأجزاء إلخ لا تمثل النسبة الذهبية. لكن الإجابة على هذا السؤال جاءت في العام 1875 على يد فينر Wiener، الذي وجد أن الزاوية 137 درجة و30 دقيقة و28 ثانية التي تظهر غالبًا في نموِّ الأوراق في أثناء التباعد الحلزوني الثابت لفروع التيجان – وهي زاوية تنتج عن حلِّ معادلة النسبة الذهبية، وتساوي ، وتوافق الحلَّ الرياضي لمسألة التوزع الأمثل (يكون الأقصى في المناخ المعتدل) للأوراق، بحيث يكون الضوء الواصل محوريًّا أو عموديًّا. وقد دُعِيَتْ هذه الزاوية بالزاوية المثلى، وتساوي .

إن وجود هذه النسبة في النبات يجعلنا نبحث عنها في الحيوان أيضًا. لكن حرية حركة الحيوان وتعقيد بنيته يجعلنا نتساءل عما إذا كان كَسْر التناظر قد بلغ حدًّا أخفى معه هذا التناسب الطبيعي البسيط. لكن مهلاً... عندما تكون هذه الحرية محدودة، كما عند بعض الحيوانات شبه الثابتة، مثل نجمة البحر ذات الأطراف الخمسة، وكافة الرخويات التي تثقل القواقع على حركتها، نجد أن النموَّ يتم عبر حلزونات مخروطية تتبع المتتالية اللوغاريتمية أو الحلزون الذهبي. أما عندما تكون الحرية أكبر، فإنه يصعب إيجاد هذه النسبة؛ غير أن هذا لا يعني عدم إمكانية التوصل إليها. لقد حدَّثتنا العصور الوسطى كثيرًا عن الإنسان الكوني المرسوم في مخمَّس. ويبدو أن الإنسان ينمو حقًّا وفق النسبة الذهبية. فوجه الإنسان يرتسم في مستطيل ذهبي؛ وهذا المستطيل يحمل تقسيمات ذهبية لأعلى الجبهة ولأسفل الأنف ولمستوى الفم ولأسفل الذقن. إضافة إلى ذلك، إذا رسمنا مسقط الهرم الشاقولي ضمن هذا القطع لوقعت ذروةُ الهرم في مستوى الغدة الصنوبرية عند الإنسان. كما وتمثل هذه النقطة ذروة الجبين، حيث كان الكهنة المصريون يقرنون ذروة الهرم إلى الشمس المجنَّحة وذروة الجبين إلى رمزَي مصر الدينيين التقليديين: النسر والثعبان. ترى، أي مكان أروع للرمز إلى العين الثالثة – عين البصيرة في الإنسان؟

ولكن ماذا عن الجسم الإنساني وعن حركته؟ يقول رودلف لابان M. Rudolf Laban، مدير إحدى أشهر مدارس الرقص الإيقاعي في ألمانيا: "إن كلَّ حركات الجسم الإنساني في الأبعاد الثلاثة تؤدَّى في شكل أمثل بانتقالات زاوية تقدر بـ72 درجة، وإن مختلف الاتجاهات في الفضاء الموافقة لهذه الانتقالات تمثَّل بأقطار مجسَّم منتظم من عشرين وجهًا، حيث تشكِّل الزاوية 72 الزاوية المركزية في أحد وجوهه المخمَّسة." ويقول معلِّم الرقص: "إن الحركات المتناغمة هي التي تقود الخطوات وحركات الذراعين واليدين والنظرات باتجاه قمة المجسَّم."
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ولعل النسبة الذهبية تبرز أكثر ما تبرز في التناسب الطولي للإنسان. فنسبة طول الإنسان إلى ارتفاع سرته عن الأرض تساوي أو تقارب كثيرًا النسبة الذهبية. وقد بيَّنَتْ الدراسات الإحصائية صحة هذه النسبة في معظم التماثيل اليونانية القديمة. ومن خلال دراسة إحصائية للأجناس البشرية تبيَّن أن بعضها يمثل هذه النسبة تمامًا، في حين أن الأجناس الأخرى تقترب منها. وفي كلِّ حالات عدم تحقق النسبة، لم يقع خط النسبة الذهبية فوق السرة، بل تحتها. فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الطفل الوليد لا ينمو بتناسب ثابت في كافة أعضائه بسبب قصر طرفيه السفليين، نستطيع الاستنتاج أن النموَّ الإنساني يقترب في سنِّ النضج من تحقيق النسبة الذهبية.

إن الحديث عن النسبة الذهبية يكاد أن يكون بلا نهاية. ويسعى باحثون كثيرون اليوم إلى اكتشاف أسرارها في الطبيعة، أو البحث عنها في الإنجازات الإنسانية القديمة، أو إلى استلهامها في حياتنا اليومية. ونشير هاهنا، مثلاً، إلى أنه قد تبيَّن أن السلَّم الموسيقي الذي وضعه وأرسى أسُسه النهائية باخ يكاد أن يطابق السلَّم الموسيقي المبني على النسبة الذهبية. كما أن جمال آلة الكمان الذي يُجمِع عليه معظمُ الموسيقيين والناس يُخفي حقيقة جوهرية كما بيَّنت آخر الدراسات: فالكمان مبني وفق تناسبات ذهبية دقيقة. ويبدو أن انتصار عصر النهضة لهذه النسبة أدى إلى اكتمال شكل الكمان وفقها. أما في العمارة الحديثة، فعلى الرغم من أن نموذج لوكوربوزييه Le Corbusier هو محاولة فيها بعض الإقحام، لكنه نموذج فريد يربط بين سلسلتين لفيبوناتشي بأبعاد المنزل السَّكَني مستنتَجة من أوضاع وحركات الإنسان في داخله. ونشير أخيرًا إلى أن متتالية فيبوناتشي تدخل اليوم في مجال نظرية البحث وفي العديد من الأبحاث العلمية والرياضية.

الجمال والمعرفة

لطالما تساءلتُ، وأنا أتأمل تنوع الجمال الطبيعي، عما إذا كان للمعرفة الإنسانية أن تكتمل ما لم تُتوَّج بقدرة فائقة على اكتناه أسرار الجمال. ولتساؤلي هذا ما يبرره، مادام جاذبٌ خفي يشدنا إلى سحر غامض في ألوان الطبيعة وأشكالها اللانهائية التنوع. ومما لا شكَّ فيه أن هذا الجاذب ما كان ليكون موجودًا لولا أن الإنسان نفسه كائن طبيعي. وعلى تخوم هذه الوحدة يتسنَّم تساؤلي ذروته: لعل المعرفة ليست في جوهرها سوى تجلِّي الجمال في أبهى مظهر له، ألا وهو التواحد مع الطبيعة؟! بل لعل دافعي الحقيقي إلى المعرفة هو الجمال المكنون فيَّ – هذا الجمال الذي يسعى إلى التألق بجمال الكلِّ وإلى وعي ذاته في جمال الوجود؟

كذا فإن القانون الطبيعي هو قانون الجمال في نهاية الأمر؛ وإدراك قوانين الطبيعة هو كشف لقوانين الجمال. وضمن هذا المنظور، يختلف مفهومُنا للجمال، كما ومفهومنا للقانون الطبيعي. فالجمال النسبي الذي قد نختلف على مقاييسه ودرجاته يتبدَّد في ضوء الجمال الطبيعي الذي نستلهمه من وعينا للطبيعة؛ ذلك أن هذا الجمال هو قانون الطبيعة بذاته. وفهمنا لهذا القانون لا يمكن له أن يكتمل ما لم نكتمل نحن به. فحياتنا مظهر له، والوجود مظهر له. وكلما أغرقنا في فهم الطبيعة بعيدًا عن روح هذا القانون جرَّنا فهمُنا هذا إلى متاهة لا مخرج منها.

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

كذا تتسنَّم الطبيعةُ ذروةَ جمالها عندما تصبح قادرة على فهمه ووعيه والتعبير عنه. وذلك لا يعني أن الجمال لم يكن موجودًا قبل وجود الإنسان. غير أن بزوغ الفكر، وظهور ثنائية العارف والموضوع المعروف، التي نجمت عن انكسار داخلي في الطبيعة المتطورة، أدى إلى انكسار ظاهري في مرآة الجمال. فقد ميَّز الفكرُ نفسه عن الطبيعة وحاول إدراك قوانينها في معزل عن طبيعته. ولنقل إن صيرورة الطبيعة نفسها هي التي أدَّتْ إلى هذا الانكسار في تناظرها التطوري، لأنها كانت تريد رؤية نفسها في مرآتها الخاصة. لكن ذلك لم يشكِّل شرخًا حقيقيًّا لأن الإنسان في النهاية كائن طبيعي تفعل فيه قواعد الجمال الطبيعي.

يمكن لنا القول، إذن، إن المعرفة الإنسانية لا تشكِّل سوى طور من أطوار الصيرورة الطبيعية. وقد يؤدي انكسارٌ ظاهريٌّ آخر في هذه المسيرة إلى ظهور قدرة معرفية أوسع وأشمل من قدرتنا. إلا أن تتالي مثل هذه الانكسارات لا بدَّ أن يؤدي إلى تعميق القانون الطبيعي الأصيل. ونلاحظ في استمرار أن تميُّز الإدراك وتجليه ينعكس على الشكل المدرِك. وهذه العلاقة بين الظاهر والباطن، بين الشكل والقانون، هي التعبير الأعمق – دون شك – عن القانون الحقيقي الذي يرتكز عليه وجودُنا.

كيف نستطيع، مثلاً، إدراك تاريخنا المعرفي إذا لم نلحظ هذا التوازي بين التغير الشكلي والانكسار الداخلي؟ لا شكَّ أن الإنسان القديم كان قريبًا من الطبيعة في شكل مختلف عن قُربنا منها؛ وكان تناغمُه معها يرتكز على مقدرته على إدراك وجوده فيها كجزء منها. ومن هنا فإن مسؤوليته كانت موجَّهة، بالدرجة الأولى، إلى بَلْوَرَة هذا الإدراك. وما الأساطير القديمة إلا الشكل الجمالي لهذه المرحلة. أما اليوم، فإننا لا نستطيع الاكتفاء بهذا التوجه. فمع إدراكنا لموقعنا في الطبيعة، لا بدَّ لنا من تركيز جهودنا على إدراك موقعنا المعرفي. تلكم هي مسؤوليتنا الأولى. ومن هنا يمكن لنا أن نبدأ ببناء الأساس المعرفي للإنسان المقبل. وعلينا أن ندرك أن أيَّ انكسار في الصيرورة الطبيعية لا يؤدي فقط إلى ظهور تعقيد أكبر في الشكل الفسيولوجي وفي المقدرات النفسية والعقلية، بل وإلى ظهور مقدرة فائقة وأكثر تطورًا على التبسيط وعلى إبراز المعنى الأكثر نقاء للتجريد المعرفي.

هكذا يمكن لنا، منذ الآن، التنبؤ بالشكل العام لتطور الصيرورة المعرفية. وإذا تتبَّعنا مسيرة التطور النفسي والعقلي للإنسان، كما ومسيرة إنجازاته الشكلية، لثَبَتَ لنا أن أيَّ تصور مستقبلي للمعرفة البشرية يجب أن يرتكز على تطور لوغاريتمي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو: أليس من ضابط لهذا التطور المتسارع؟

لربما كان الأمر يتعلق بالإنسان نفسه، وباختياره، منذ الآن، لمتتالية تناغمية تحكم مسيرته المعرفية وتحيد به عن دربَي الإفراط أو التفريط على حدٍّ سواء! لقد بلغ إنسانُ اليوم مقدرةً هائلة على التجريد، مما يوفر له الفرصة لفهم صيرورته المعرفية فهمًا أشمل. غير أننا لا نستطيع قياس رياضيات القرن العشرين بتجريدها فقط، بل وبذاتيتها التي تمثل باطن تطورها. فمع تشعب العلوم الرياضية ثمة ميل مقابل إلى الشمولية والفهم الذاتي، لعله بَرَزَ لأول مرة، وفي أوضح أشكاله، مع أعمال غودل Gödel العظيمة. ومن هنا يمكن لنا أن نرى إلى مسيرة الرياضيات المستقبلية.

ويتطلع العلماء، منذ اليوم، إلى قمة بعيدة وشامخة تتناسب مع القاعدة التي أسَّسوا لها. ولعل هذه القمة تخترق سماء إدراكنا الحالية، وتتجاوز طبقات جوِّنا الصاخب. إنها قمة للجمال الصافي وللبساطة الصافية وللكلِّية الصافية.

من هنا، فإن التوجه الذاتي للرياضيات، ربما نحو تجريد متزايد ظاهريًا، سيؤدي حتمًا إلى بناء هيكل معرفي، لا نعرف شكله أو حدوده بعدُ، لكننا ندرك في وضوح أنه يستمد مواده من منطق أعظم تناسقًا وجمالاً من منطقنا، وبالتالي أبسط منه. إن محاولة بناء خوارزمية للمعرفة، مثلاً، لا يقارَن بالجهود المبذولة اليوم لبناء حواسب عملاقة أكثر فأكثر مقدرة. ومن المرجَّح أن ما من أحد من العاملين في هذا المجال انتبه إلى أن الإمكانات الذاتية تحتاج إلى وقت لتنضج، أي ليصبح في الإمكان توجيه مقدراتنا المعرفية. ولا شكَّ أن إنسان الغد سيحمل عبء التخلص من أخطائنا. إن الشكل المعرفي ليس بأقل أهمية من المعرفة ذاتها؛ وعدم ضبطنا اليوم لتوجهاتنا المعرفية لا يتوافق والقواعد الجمالية المنحوتة في أعماقنا. فالمعرفة ليست جهدًا فوضويًّا، وليست تراكمًا للمعلومات وسبرًا عشوائيًّا للظاهرات؛ بل إن المعرفة ليست بناء نظريات فيها الكثير من خصوصيات بُناتها والقليل من روح الجمال الطبيعي.

لقد تجاوزت الرياضيات اليوم مجرد كونها حقلاً للقياس أو للتطبيق الفيزيائي، وباتت طريقًا إلى المعرفة وموئلاً لمريديها. والمعرفة، من هذا المنظور، تتجاوز المنهج الذي يقوم على النظرية والبرهان: فهي تتأسَّس في بساطة على التناسق الكامل في البناء الشكلي البحت. وإذا كان هذا التناسق كليًّا، فهو لن يؤدي إلى نظريات مختلفة، بل إلى صيرورة معرفية موازية للصيرورة التطورية الطبيعية. وعلى هذا، فإن الشكل المعرفي ليس نهائيًّا، بل هو شكل متفتح باستمرار عن جمال أخَّاذ لا ينفك يتفلَّت من إسار الفرضيات ويغوص أكثر فأكثر في وحدة الشكل والجوهر.

كذا يكون لكلِّ عصر معرفته الكلِّية. لكن هذه المعرفة ليست نظرياته ومعلوماته، بل الشكل الفنِّي لهذه النظريات والشكل الذاتي لهذه المعلومات. إن معرفتنا الحقيقية هي الشكل الجمالي لقدرتنا التعبيرية في نظرياتنا وأفكارنا. ومقياس حضارتنا هو إدراكنا لهذه الحقيقة وعدم الانغماس في ظاهر إنجازات علومنا.

***

إنَّما الجمال انعكاس للحقيقة في الوجود. تلكم هي ركيزة كلِّ معرفة. فالجمال والمعرفة صنوان. وكلاهما لا يفترقان عن ال
حقيقة، لأن "الحقيقة جمال – إنها حقيقة الجمال"، ولأن المعرفة جمال، إنها تحقيق الجمال. ويمثل هذا الثالوث الوجود في كلِّيته وفي وحدته وفي صيرورته. فالحقيقة هي الكل، والجمال هو الوحدة، والمعرفة هي الصيرورة. إن المعرفة والجمال وجهان للحقيقة: فالجمال باطن المعرفة، والمعرفة ظاهر الجمال. والظاهر لا يتحقق إلا بكمال الباطن؛ كما أن الباطن لا يتحقق إلا بكمال الظاهر. وكمال المعرفة المحبة، وكمال الجمال المحبة.