المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المتصوفة والأخلاق


الشيخ طاووس اسطوره الاساطير
11-15-2015, 04:43 AM
المتصوفه, والاخلاق

المتصوفه والاخلاق

المتصوفة والأخلاق

الأخلاق وجه من وجوه الدين، يكون إدراكها مناسبا لمرتبة المرء منه ومقامِه. وقد شاع في الناس أن المؤمن يكون صبورا محتملا للأذى، مبتسما عند سماعه ما يكره، لا يرفع يده على أحد، وإن ضربه أو أخذ متاعه. وكل ما عليه أن يفعل، هو رفع الشكوى إلى من بيده الحكم؛ فإن شاء أنصفه، وإن شاء أهمله. وليس له بعد ذلك كله إلا احتساب عمله عند الله، وانتظار يوم الآخرة ليوَفّى جزاءه.

وهذا صحيح! إلا أن فيه تفصيلا، لا بد من تبيّنه. ثم إن الأخلاق يُرجع فيها إلى صاحبها صلى الله عليه وآله وسلم، القائل: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» [السنن الكبرى للبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه]. نفهم من هذا الحديث أن الأخلاق كانت منقوصة. وهو (أي النقص) نفس المعنى الذي تفهمه العامة من الأخلاق، دون أن يتفطنوا إلى معنى تمامها.

وقبل أن نبيّن معنى تمام الأخلاق، لا بأس أن نتكلم في الظروف والقرائن التي تحكمها، حتى نكون فيها على علم. وأول ما ينبغي أن يُميّز منها: ما يعود إلى النفس، وما يعود إلى الدين. وذلك أن العبد إذا أوذي في نفسه وصبر، فإن ذلك يُعد عنده من مكارم الأخلاق؛ بينما صبره عن الأذى الذي يصيب الدين يُعد من سوئها. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحتمل من الأذى في نفسه ولا يغضب؛ فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء. قالت عائشة رضي الله عنها: « مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، حَتَّى يُنْتَهَكَ مِنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» [أخرجه البخاري]. فهذا في التفريق بين ما هو للنفس وما هو لله.

ومما ينبغي تمييزه أيضا، معاملة المؤمنين من معاملة الكافرين. فما يعدّ من حسن الخلق مع المؤمن، قد لا يعد منه إن كان المعامَل كافرا. وإلى هذا المعنى يشير قول الله تعالى في معرض الثناء على قوم يحبهم ويحبونه: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]. فالذلة هي الذلة؛ لكن مصرفها يجعلها تارة محمودة وتارة مذمومة. وأما ما يفعله المتصوفة من تودد إلى الكافرين، ويظنون أنه من الأخلاق المحمودة فهو مخالف للحق؛ لأنه من المهانة التي نهى الله عنها. وما يفهمونه من قول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]، لا يجوز أن يُفهم منه التودد وخفض الجناح. ولقد رأينا في زماننا من بعض من ينتسبون إلى العلم، مخالفة لهذا الأصل بسبب ظنهم أن فعلهم سيقرب أولئك الكافرين إلى الإسلام؛ بحيث أنهم سيكفون عنه أذاهم إن لم يُسلموا. ونحن لم نُكلّف هذا! وليس لنا أن نتصرف من أنفسنا في أمر الدين، بما نراه بعقولنا؛ بل نفعل ما أُمرنا به، دون النظر إلى العلة. وذلك لأن من العلل التشريعية ما لا نعلمه من أنفسنا؛ بل أغلب التشريع من هذا الصنف. والتعزز على الكافرين من أبواب الخير لدى المؤمنين، لو أنهم لم يحكّموا عقولهم ومبادئ الفكر "الإنساني" التي لا تعرف كفرا من إيمان. ولقد رأينا كبار الفقهاء يستنكفون من أن يسموا الكافر كافرا على العموم لا على التعيين، لأنهم يرون ذلك من سوء الخلق معهم. وهذا لعمري، دليل على ضعف الإيمان وانطماس البصيرة؛ لأن العبد لم يُكلَّف أن يجتهد في هذا الباب، بل له أن يحكّم الشرع في نفسه مقتديا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد بلغ الأمر بقوم في مخاطبة الكافرين أن سوّوا بينهم وبين المسلمين في المرتبة قائلين: أنتم عندنا كافرون، ونحن عندكم كافرون. يظنون من تلبيس إبليس أنهم بهذا الفعل مقسطون؛ وهم للشريعة هادمون ولربهم عاصون.

العبد لا يحكم بحكم نفسه على الأمور؛ وإنما يحكم عليها بحكم ربه. فإن علم أن حكم الله في فعل من الأفعال هو التكفير، فلا ينبغي له أن يعدل عنه إلى ما يتوهم أنه سيجعل الكافر يُقبل على الدين. وإن دعاه الله إلى الغلظة على قوم، فلا يتوهم أن اللين معهم سيكون أنفع. بل هذا كما أشرنا، لا يدل إلا على ضعف إيمان المرء.

ولقد رأينا بعض المتصوفة يعترضون على بعض أهل الله، في بعض ما يصدر منهم، وينسبونهم إلى سوء الخلق، قياسا بما يعلمونه هم من الأخلاق؛ فيجهلون ويقعون في سوء الأدب الذي قد يؤدي بهم إلى المقت. وقد يرى المرء من أهل الله، ما لا يجد له سببا ظاهرا من المعاملة، فيقول: ما هكذا كان رسول الله!.. أو يقول: هذا ليس من الأخلاق!.. وهو ما يعلم حالهم. فيدخل فيما ليس من حقه الدخول فيه.

أهل الله، متخلقون بأخلاق الله! يعاملون العبد بما يعامله الله بعلمه فيه، لا بما يعلمه الناس منه. وأخلاقهم تامة من تمام أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، التي لا علم للناس إلا ببعض ظاهرها. فتجدهم يعطون ويمنعون، يغلظون ويرفقون، يحلمون ويؤاخذون... ومن يعترض عليهم، فهو معترض على الله، علم ذلك أم لم يعلمه.

والسبب في اختلاط الأمر على غير العالم، هو قياس حال الولي على حال النبي. وذلك أن الولي يأخذ مدده من باطن النبي؛ لذلك يظهر أحيانا مخالفا لأحكام الظاهر في المعاملة. ولو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ظهر باطنه على ظاهره ما أطاق مجالسته أحد! ولا علم التشريع منه أحد! وفي الحادثة التالية ما يدل على ما نقول: عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ أَنْ لا يَقْتُلُوا أَحَدًا إِلا مَنْ قَاتَلَهُمْ؛ إِلا أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمَّاهُمْ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ سِتَارِ الْكَعْبَةِ. مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَإِنَّمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَارْتَدَّ مُشْرِكًا. فَفَرَّ إِلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَغَيَّبَهُ حَتَّى أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنِ اطْمَأَنَّ أَهْلُ مَكَّةَ؛ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ. فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَمَتَ طَوِيلا، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ بِهِ عُثْمَانُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَهَلاّ أَوْمَأْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ لا يَقْتُلُ بِالإِشَارَةِ»[تاريخ الطبري].

يظهر من هذه الحادثة حكم باطن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (في الوقت لا عموما) مخالفا لحكم ظاهره. وهذا هو ما ذكرناه من حكم ولاية النبي وحكم شريعته. والسبب في هذا الاختلاف هو أن الولاية تحكم بحكم الله على التعيين، والشريعة تحكم بالحكم العام (القاعدة العامة) التي لا تقبل التعيين؛ أي لا تحكم على الشخص بعينه كما هو في علم الله. والسبب هو أن الشريعة تكليف للناس بالأحكام العامة، وحكم الله في الأشخاص خارج عن دائرة إحاطتهم.

ونستفيد من هذه الواقعة أيضا، أن المريد إذا أطلعه الله على باطن شيخه، ورأى أن ظاهره متوقف؛ فليوافق الباطن، لأنه موافقة لله. وإنه ينال من هذه الموافقة من الخير، ما لا يناله بغيرها. وهذا من فقه الطريق لمن عقل. وأما إن ظهر الولي بحكم الباطن، فلا ينبغي لأحد أن يعترض عليه بحكم الشريعة العام؛ لأنه ليس كالعوام مقيدا به؛ بل هو مع حكم الله في الأمور. ومن يعترض في مثل هذه الحال، فإنه يتعرض للمقت. وما قصة الخضر مع موسى عليه السلام، التي أوردها الله في القرآن الكريم، إلا تنبيه إلى هذا الباب من العلم. ورأينا في القصة كيف أن الخضر كان يحكم من ولايته بحكم الله؛ بينما كان موسى يحكم من رسالته بالحكم العام؛ فأيد الله حكم الولاية، ليدل على حكمه سبحانه به. وإذا كان هذا حال الولي مع الرسول، فكيف يكون حاله مع العامي الجاهل. نسأل الله السلامة والعافية!

ملك الطلاسم
03-27-2016, 01:53 PM
بسم الله الرحمن
بالتوفيق والى الامام
ونتمنى منكم المذيد شيخنا الكريم